المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نور الملاح Headshot

الهجرة إلى أقدارنا.. حين يلد اليقين أملا

تم النشر: تم التحديث:

يمكنني ببساطة أن أسميها:
أكبر تجربة فاشلة ومؤلمة في حياتي!
في مدينة عشقتها حد الجنون، واشتقت للقائها من سنين، ولكن ليس وحدي، وليس وأنا معلقة بخيط واه مع حلم، وبحبل متين مع المجهول!
امرأة و ثلاثة أطفال تحت رحمة تجار البشر في إسطنبول!

أصِلُها فجرا بعد تعطل حافلتنا لاثنتي عشرة ساعة على الطريق! يطلب مني المهرب ، أن أتوجه إلى فندق أكتشف لاحقا أنه بخمسة نجوم مقلوبة، لأنه ببساطة شديد القذارة، ورغم ذلك أرتمي مع أولادي الثلاثة على السرير المريع من شدة الإعياء!

أفتح عيني صباحا لأكتشف على أي شط مجهول رست سفينتي، لا أستطيع أن أقاوم تدفق دموعي وأنا أتذكر!

خرجت في الصباح وهم نائمون لأحضر طعام الإفطار، لأكتشف أنني في شارع منحط يمتلىء بالكباريهات، ومناظر العالم السفلي القذر، و العيون الجائعة.

قضيت في هذا الفندق عدة أيام، قضيتها فعليا في الشوارع أتمشى مع أولادي لأمرر الوقت بين الأكاذيب، غدا وبعد غد!
اكتشفت إسطنبول الجميلة لأول مرة وأنا في أسوأ عشرة أيام في حياتي!

بعد عشرة أيام من الوعود الكاذبة، نفذ كل ما معي من مال تقريبا، ونفد صبري، وتبخر تماما حلم الالتحاق بزوجي العالق بأمر بصمة دبلن!
لن أنتظر دقيقة واحدة بعد في الجحيم، سأعود من حيث أتيت!

العودة بحقائبي التي تمنيت أن يحملها هو، لأبدأ الاستقرار معه في حياة طبيعية كالبشر العاديين، العودة بها من حيث أتيت، كالعائد بخفي حنين!
بين خيبة الفشل، و فرحة الخلاص من الكذاب ووعوده، وقف اليقين بالله ليجمعني!

ليجمع شملي الذي تشتت وروحي التي تبعثرت وأملي الذي تحطم.

وقفت على شط إسطنبول في اليوم الأخير، والسماء ملبدة بالغيوم ، كان منتصف أيلول ، وقفت أدعو ، الدعاء كان سلاحي في وجه موجة التبعثر والضياع. وكلتك أمري وأنت نعم الوكيل دبر لي فإني لا أحسن التدبير .

للحظة كاد يضعف إيماني، لكني شكوت لله ضعف قوتي وقلة حيلتي فثبتني صوت اليقين بالله، وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم ، إنه الخير يا نور، أفلا تصدقين؟

نعم، إنه الخير بلا شك إن شاء الله.

في طريق العودة، ولد ابن أختي، ولد (عُمر)، أمل جديد جعلني أتفاءل مجددا!

أمل جديد ولد مع محاولة تهريب جديدة هذه المرة جواً. حدث ذلك منذ عامين تقريبا، ولم يكن التهريب وقتها سهلاً ولا دارجاً كاليوم .

خلال ثوان تحول أمل اللقاء، إلى خيبة أمل وفشل، رجوت فقط أن يمر بسلام وأخرج من المطار دون مساءلة قانونية أو اعتقال.

الساعة الثالثة صباحا، أتصل بزوجي: لقد فشلت المحاولة، وأنا عائدة للمنزل، لا تنتظرني في المطار!
هذه المرة حزن أولادي أكثر، أما أنا فقد سلمت أمري لله.

ذهلت صديقتي كيف حافظت على رباطة جأشي وابتسامتي في الصباح ولم أنهر، رغم أنها كانت صبيحة العيد، صبيحة الخيبة، قالت لي لاحقا:
خشيت عليك من الانهيار العصبي، لكنك كنت قوية بشكل مذهل.

كان لدي يقين داخلي أن ما أراده الله هو الخير ولذلك سلمت له. سلمت كذلك بأنه آن الأوان لوضع حد لمحاولات الهجرة غير الشرعية وللأبد، واتخذت القرار الموجع الذي هربت منه طيلة أشهر طويلة: سأبدأ حياة في تركيا من دون زوجي.

استسلمت، وغالبا عندما نستسلم، نكتشف أن هناك أبواباً كثيرةً يمكن ولوجها غير الذي أغلق، وأن حياتنا ما زالت عامرةً بالخيارات التي يمكن أن تمنحنا السعادة والرضا، فقط إن آمننا ورضينا بقضاء الله، وبقينا في سعي حثيث بالعمل والعقل لنكون أفضل ولنغير أنفسنا حتى يتغير ما بِنَا.

بدأتُ مسيرة تغييرٍ جذري لأعتمد على الله ثم على نفسي تماما وأقف على قدمي في هذه الحياة وحيدة، إلا من بعض النبلاء الذين حموني ووقفوا بجانبي بصدق وإخلاص منقطع النظير.

لم يمض وقت طويل حتى حققت حلماً عظيماً من أحلامي: أن يكون لي صوت ضد الطاغية يسمعه الملايين! كنت أرفع صوت الأغاني الثورية على شرفة منزلي بسورية رغم أني كنت واثقة أن ذلك قد يفضي بي للاعتقال!

لكن الآن بدأت عملي دون أية خبرة سابقة كمذيعة تلفزيونية في قناة ثورية.

ورغم علمي بأن هذا العمل قد جعل حياتي وحياة أولادي على المحك، فالتهديدات بتفجير مقر القناة وتصفية العاملين فيها لم تتوقف، إلا أنني اتخذت قراري، فلأحي كما أؤمن أو لأمت في سبيله!

بعد أسبوعين من التدريب بدأ عرض برنامجي ( حديث الصحافة). حلقاتي الأولى كانت مريعة ومضحكة، ولكن أدائي تطور بشكل كبير خلال فترة قصيرة، لتأتي إحدى أهم الإعلاميات في العالم العربي بعد زيارتها للقناة ومشاهدتها لحلقات برنامجي وتسألني: في أي قناة كنت تعملين قبل ذلك، وأين تعلمت؟

للحقيقة كنت أعمل في قناة البلكون وتدربت بمشاهدة مذيعات الجزيرة!

بالطبع لم أخبرها بذلك، لكنها كانت معجبة جدا بأدائي التلفزيوني، والذي لم يستمر للأسف!

فقد أغلق هذا الباب الجميل، وكالعادة يفتح الله بابا جديدا، وها أنا أنتقل من تقديم مقالات غيري من الكتاب، لأبتدىء مسيرتي ككاتبة وصحفية، شغفي منذ كنت طفلة، والذي قدر الله أن أحققْه بعد الخامسة والثلاثين.

أضافت هذه التجارب لي ولعائلتي الكثير، يمكن القول أنني ولدت من جديد، ولا ولادة بلا ألم!

لا يوجد شيء اسمه فشل، إنها فقط تجارب، والتجارب تعلمنا دائما. فقط علينا أن نفتح عقولنا وقلوبنا لتقبل الدورس، وعلينا ألا نقف طويلا أمام الأبواب المغلقة، فهنا قريبا منك باب يفتح!

بالمناسبة مازلت أنتظر على الباب الأول ولليوم لم أحصل على لم الشمل مع زوجي، وما زلت أنتظر!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.