المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نور الملاح Headshot

عندما وصلت الثورة إلى مطبخي!

تم النشر: تم التحديث:

امرأة سعيدة بكل تفاصيل الحياة العائلية والزوجية كنت ُ وما زلت، ممتنة لكل تفاصيل كوني زوجةً وأماً ومستشارة وقائدة ومربية حازمة عند اللزوم، وقبل كل هؤلاء طاهية!!
الجميل في الموضوع أنني أحب الطبخ كثيرا وأستمتع به، أما حين أطهو لأحبتي فإن الأمر يتجاوز متعة الطبخ، إلى متعة روحية أسكب فيها مشاعري في طبق !
ما زلت أذكر حين ذهب زوجي للمرة الأولى للخدمة العسكرية وغاب عني ما يقارب الشهر.
جاء أحد رفاقه زيارة لمدينتنا ثم كان سيعود إلى قطعته العسكرية، اتفقنا معه على أن يحمل لزوجي بعض الطعام!
طبعا يوجد طعام في الجيش ولكنه طعام الجيش!!
وقتها طبخت له بعض أصنافه المفضلة، واعتنيت عناية بالغة بتعبئة الطعام وترتيبه وتغليفه، حتى يصله ساخنا!
كانت قطعته العسكرية تبعد حوالي الخمسمئة كيلو متر ، ولكن الطعام وصل فعلا ساخنا، وأصبح طعاما أيضا لباقي رفاقه المحرومين من أكل محترم منذ أكثر من شهر! كان بمثابة وليمة احتفالية لهم جميعا!
الجيش الذي نعرف تماما أنه لم يكن جيشنا، والسلاح الذي تأكدنا من أنه لم يكن سوى لقتلنا، وخدمة العلم التي اتضح أنها فقط خدمة الأسد وسيدتيه إيران وروسيا، ولذلك كان لا بد من ثورة، والقدر كان حتميا !!
لكني لم أتخيل أن تصل الثورة إلى مطبخي!
بدأ الأمر عندما شارك طبخي في الثورة!
كنت على اتصال ببعض أهالي الثوار، وعلمت منهم أن أوضاعهم سيئة وهم ينتقلون من مكان إلى آخر تحت قصف النظام على مناطقهم، ويكتفون بما يسد الرمق مما توفر من طعام، وأنهم حين يتمكنون من التسلل لزيارة أهلهم في مناطق النظام، يعودون في نهاية زيارتهم إلى مواقعهم في المناطق المحررة ومعهم شيء من طبيخ أمهاتهم فيفرح به الثوار فرحا عظيما !!
هنا قرر دماغي أن يتحرك، اتصلت بها صبيحة أحد الأيام وعرضت عليها أن أقوم بتحضير الكبة المقلية للثوار، فقط أريد منها أن تحضر لأخذها من بيتي!!
يومها شعرت أنني لا أطهو بل أطير، نعم أطير حرفيا! هذا ما يحدث عندما تعمل لقضية، ولو بالطبخ!!
جاءت السيدة وأخذت مني الطعام الساخن للثوار فكانت سعادتي لا توصف، حتى أنني بكيت!
ترى من بقي من هؤلاء النخبة حيّا حتى اليوم؟
وإن كان بقي حيّا، فهل مازال في الداخل أم أكره كما أكره الملايين على الهجرة، بعد أن فقدوا كل شيء، وحاول كل ظلمة العالم سرقة ثورتهم ومنعها من النجاح!
لكنها نجحت! الثورة التي وصلت إلى مطبخي نجحت !؟
كنت أحب تدليل أحبتي بأصناف الطعام التي يحبونها، والتي غالبا ما تستهلك وقتا وجهدا كبيرين، ومازلت، ولكنني اتخذت قرارا!
نظرت في يومي فوجدت أن وقتا كبيرا منه يذهب داخل المطبخ، وهو أمر جيد ولكنه قد تجاوز حده!
اتخذت قرار ضمنيا لم أخبر به أحدا:
أحتاج وقتا خاصا بي، أحتاج وقتا لأقرأ وأكتب، إذن:

- لا نوم بعد الساعة السادسة صباحا، والاستيقاظ للصلاة والقراءة قبل أن تنهال علي مسؤوليات وطلبات يومي الجديد وبيتي السعيد.
- يتم التحول إلى نمط غذائي أكثر بساطة وتنوعا، وأقل تعقيدا في الأصناف وأقل في الكميات لاختصار الوقت الذي يتم قضاؤه في المطبخ إلى حده الضروري فقط.
بدأت التحولات تأخذ مسارا دائما في حياتي، رويدا رويدا وعلى كافة الصعد، ومنها نمط الغذاء. أما عائلتي فقد تقبلتها بشكل رائع لأنهم هم أيضا من محبي البساطة ويشتركون معي في قاعدة القيم التي نؤمن بها جميعا.
حرصت غالبا على التشاور معهم قبل اتخاذ قرارات بشأن طعام اليوم وحتى المشتريات اللازمة له، بحيث أحقق لهم ولي ما أرغب.
أما الأكلات الهامة والكبيرة فكانت تعقد بناء على طلب زوجي، الذي أحرص ألا أرد له طلبا، وخصوصا في موضوع الطعام!
أتاح لي هذا التغيير أن أحدث ثورة حقيقية في وجودي الإنساني، ثورةً كان مطبخي أحد ساحات تغييرها فعلا ، وليس مزاحا أبدا!
تغييرات في شعوري بذاتي، بكينوننتي، بدوري في الحياة!
حدث كل هذا عندما تراجع المطبخ إلى دوره الحقيقي باعتبارنا بشراً نأكل لنعيش ولا نعيش لنأكل، وتقدمت القراءة إلى دورها الحقيقي في حياتي، الصدارة في نشاطات كل يوم.

لكن هذا لم يكن كل شيء!
فقد أكملت الثورة طريقها ولم تتوقف!
كأغلب الأمهات عانيت مع قضية تناول صغاري للفواكه والخضروات، فألهمني الله طريقة جديدة، ضربت بها عصفورين بحجر!
أولا: تجاوزت عدم رغبة أطفالي بتاتا بتناول الخضار والفواكه.
ثانيا: أصبح تحضير الوجبات وخصوصا الفطور والعشاء أسهل وأسرع بمقدار الضعفين، وهكذا أصبحت رابحة مرتين.

طريقتي تقوم على استخدام صحن واحد كبير يحتوي كامل الوجبة لكل فرد من أفراد العائلة. يقسم الصحن حسب المكونات إلى:

١- ثلث للفاكهة والخضار.
٢- ثلث للبروتينات.
٣- ثلث للنشويات.
مثلا: صحن كبير للفطور يتكون من:
صحن صغير به لبنة وبضع حبات من الزيتون، صحن صغير آخر به شرائح من الخيار والبندورة وبيضة، كعكتان بالسمسم، إنها وجبة كاملة.
استخدمت الصحون الصغيرة لتوزيع الحصص، واهتممت بالتلوين والتقطيع، بِمَا يضمن أن يكون الصحن جذابا، متنوعا وكافيا.
هكذا سينسى الأطفال عدم رغبتهم بتناول الخضار والفاكهة ويقبلون على الصحن بشهية.
إن الطبخ وتقديم الطعام البسيط والاعتماد على ما توفر من مكونات بسيطة وطازجة داخل المطبخ، شكل تغييرا حقيقيا في طريقة حياتنا، أكثر إنسانية وبساطة، أقرب للشعور بمن لا يملكون أقل القليل ليسدوا به رمقهم، لأن كل زيادة في الاستهلاك، وكل إسراف وإنفاق في غير محله، يأخذ من حق أولئك الذين هم أولى منا، بكل ما هو ليس من حاجاتنا الأساسية. لأننا أخوة ولأننا مسلمون ولأننا بشر ولأننا مسؤولون: (ثم لتسألنَّ يومئذ عن النعيم).

هكذا نجحت الثورة تماما في مطبخي، فهي حتى تنجح تحتاج إلى تغيير ما هو غير نافع، وغير حضاري وإنساني، ما هو غير عملي، ما يبتعد عن نمط القيم التي آمنا بها ويتناقض معها، إلى ما يوافق إيماننا ايمانا حقاً: بالله العادل ثم بالثورة والحضارة والإنسانية، هكذا فقط يمكن أن تنجح الثورات، حين تبدأ من حياة كل منا وبكل التفاصيل اليومية المعاشة، وحتى حيواتنا جميعا، وبكل مفاصلها الهامة والكبيرة.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع