المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نور الملاح Headshot

حين جاء هارون، وأنا نائمة!

تم النشر: تم التحديث:

نمت على مخدتي حزينة، بل حزينة جدًّا. شعور هائل بانقباض صدري، شعرت بالجرح إلى درجة أني تخيلت أن جلدي من شدة ما جرحت وتكراره قد تسلخ عن جسدي وأصبحت دماء قلبي هي التي تسيل، وليست أبدا جروحًا خارجية.

فكرت بأفضل طريقة لأتوقف عن التفكير بالألم، المخدر الطبيعي الذي وهبه الله لنا دون لوم: النوم.

وضعت رأسي على المخدة لأنام. منذ أكثر من عامين ونصف لم أنم على سرير، فكنت أنام على فراش على الأرض وحين تطورت معي الأمور أصبحت أنام على كنبة، لكن منذ أيام قليلة بدأت بالنوم على سرير. اليوم السرير يعذب ضميري!

لقد ناموا على أمواج البحر، وهناك حضنهم الحضن الأخير فلفظوا أنفاسهم الأخيرة. لقد ناموا مكدسين كالمخلل داخل الشاحنة، وكان كل ما يطمحون إليه نفس هواء نقي بحرية، قبل أن يختنقوا. لقد ناموا كالمشردين دامي الأقدام في الغابات مبللين وبردانين، يتحسرون على غطاء يدفئهم، وسرير كالبشر يريحون عليه جراح الجسد والروح.

كل هؤلاء عذبوا ضميري في السرير، بالإضافة إلى عذاباتي الخاصة المفتوحة في صراع على كافة الجبهات الداخلية والخارجية. شيء ما في داخلي يقول: أنه ليس بإمكاني أن أفعل أكثر مما فعلت، على الأقل هنا والآن. لست ممن امتلك الملايين، وبذرها على الراقصات وفي البارات وفي برامج غايتها التنافس على هز الخصور والتباري بالرقص والغناء، سقف طموحات سواد أعظم من الشباب العربي. أما بقية السواد الأعظم الذي يوجعني، فسقف طموحاتهم أن يعيشوا كباقي البشر على النصف الثاني من الكوكب، عيشة بكرامة بلا حرب وبلا ذُل وبأبسط شروط العيش البشري الكريم، وأنا لا أزيد على أن أكون واحدة من هؤلاء المناضلين الباحثين عن العدل والكرامة والحريّة، وقد بذلت مثلهم كل ما أملك من أجل هذا الحلم، فهل من مزيد؟!

الآن ربما أستطيع أن أنام، بالنوم سأحاول أن أسكن جراح اليوم، لأبدأ غدًا حلقة جديدة في مسلسل النضال الذي تزيد حلقاته عن ألف حلقة، فهو مسلسل من تلفزيون الواقع، قبل أن تقتل البطلة بمفخخة عابرة في موقف حافلات، أو يصيبها السرطان من شدة القهر وضيق الصدر!

رددت في قلبي ما يعبر فعلًا عما به: (ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون). أين أنت يا هارون؟ أين أنت؟ لم أعد قادرة على الكلام من فرط حزني.. ونمت!

مع ساعات الفجر الأولى فتحت عيني، صليت الفجر ثم وَيَا للغرابة، وجدت هارون!

(هارون أخي اشدد به أزري وأشركه في أمري كي نسبحك كثيرًا ونذكرك كثيرًا إنك كنت بِنَا بَصِيرًا).
هارون جاء وناداني وأنا نائمة!
هارون هو صوت الأخوة في الله، التي لا يحدها زمان ولا مكان ولا صعاب ولا حراب.

فتحت جوالي لأجد هؤلاء الإخوة ينادونني، شعروا بي دون أن أتكلم، وتشاركنا الوجع. قالت لي: كم أحن لفنجان قهوة معك، آه كم اشتقت لك، كوني بخير، تصبحين على خير يا أميرتي الجميلة.

كان طيلة الليلة الماضية يحاول أن يجعلني أتكلم ولشدة وجعي لا ينطلق لساني، أعرف أنني قد أحزنته كثيرًا، ولكنني لم أستطع مقاومة الألم كثيرًا. ذهبت للنوم وسهر وهو مشغول بي، وبما أحزنني وأحزننا جميعًا.

كتب لي ما وجدته في الصباح: أحبك يا روحي، لا تحزني، سيكون كل شيء على ما يرام، قليلًا من الصبر فقط.

شعرت أن الله تعالى سمع تلك الآيات من قلب يختنق قبل نومي: (ويضيق صدري ولا ينطلق لساني فأرسل إلى هارون).

الحمد لله أن الله معنا، الحمد لله أنه يسمعنا، الحمد لله أن هناك هارون. لكنني اشتقت إليه، اشتقت كثيرًا، فمتى نلتقي بإخوتنا في الله يا الله؟

نعم هم حاضرون بقلوبهم وروحهم معنا، ولكنا نشتاق للقاء، اللقاء الذي حرمنا منه إلا في المناسبات السعيدة جدًّا. قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم:-
"اشتقت لإخواني". وأنا قد اشتقت لإخواني الذين قال عنهم عليه السلام إن أجرهم بأجر سبعين واحدًا من الصحابة، يا ترى لماذا؟
هل يعقل أن نكون منهم؟ أسأل الله برحمته وفضله وكرمه أن يجعلنا منهم، ولكن متى اللقاء؟ متى اللقاء يا أشقاء الروح؟

كم نحن غرباء في الحياة بدون ذلك السند، البوصلة، الحبل المتين، العروة الوثقى التي تشدنا من قاع البئر ساعة السقوط، وترفعنا ساعة الهبوط، ترفعنا ونرفعها حتى يرفعنا الله إليه إن شاء، لنلتقي هناك. هناك حيث لا ظل إلا ظله، تحت الظل، سأنتظر، انتظروني، هناك سنلتقي ونحتمي من جحيم الدنيا وحر الآخرة، هناك موعدنا إن شاء الله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.