المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نور الدبسي Headshot

171 يوم في انتظار الفيزا

تم النشر: تم التحديث:

يبدو رقمًا كبيرًا في انتظار الحصول على تأشيرة الذهاب إلى بريطانيا العظمى، لكن الحقيقة أن فترة انتظارها لم تتعدَ خانتين رقميتين، وما تلك المصفوفات إلا مجموع أيامي إقامتي المؤقتة في إستنبول بغرض الانتقال منها إلى العالم الآخر، والعبور نحو ما كان بالأمس مستحيلاً، واليوم أضحى قيد المنال.

"171" يومًا، خضت بها تجربة لا أدري أي صفة تصبغها، جمال إستنبول؟ سحر بحرها؟ نوارسها المحلقة؟ اتساع مساحاتها؟ خضارها الفارع؟ سكانها الطيبون؟ عظمة تاريخها؟ أم نقيض تلك الصفات تمامًا، الغربة فيها، انعزالك بلغتك عن أهلها، وحشتك في مكانٍ خالٍ من الزوج والأهل!

عندما كنت في دمشق، وكأي متابعٍ للمسلسلات التركية، كان جمال البلاد وسكانها يغريني، ويبعث فيّ الغيرة على أن أكون إحدى عابرات "جنة الأرض" كما يسميها البعض، كان حلمي -في سابق العهد- أن أدوس أرضها، وأمشي في شوارعها بثيابٍ فريدة كتلك التي ترتديها النجمات التركيات في الدراما ويثيرنا غيض النساء الشرقيات، خاصة اللواتي يقبعن في سجنٍ كبيرٍ يدعى "الوطن" مما جعل تركيا حلماً ناصع البياض بالنسبة للكثيرين.

يومًا تلو الآخر، بدأت علاقتي مع المدينة بالتغيير، وزالت دهشتي بها بعد أول صفعةٍ تلقيتها على باب أكبر مساجدها في أقل من أسبوعين على وصولي، عندما سحب لصٌّ هاتفي المحمول من أذني وتركني صريعة في أرضي، أبكي وأصرخ بلغتي التي لا يفهمها أحد.

في ذلك الوقت شكلت لي الحادثة فجوة في علاقتي مع البلاد، عندها أدركت كم أنا بحاجة إلى والدي وأخي وزوجي كرجالٍ يقفون بجانبي، حتى وإن عجزوا عن اللحاق به وإعادة الجهاز إلى حقيبتي، كان يكفيني أن أسمع الألفاظ النابية من والدي على اللص ليشفي غليلي، أو ربتُ أخي على كتفي بابتسامته الجميلة ليواسي مصابي، أو وجه زوجي البشوش الذي يدعوني دائمًا إلى التأني والصبر الطيب.

حينها تغير مفهوم الأشياء بالنسبة إلي، واستبدلت حواسي بأخرى كي أبقي عيوني مفتوحة وأنا نائمة -كما نصحني والدي- لأبقى متيقظة في أعتى الظروف وأكثرها ليونة.

في إستنبول تعلمت ألا أتعلق بأحد كثيرًا، فما هي إلا محطة عبور إلى أوروبا، ومدينة غانية بتناقضها الغربي الصارخ والشرقي المحافظ.

هنا.. لا يمكنك ربط أيامك بأحد، وأخذ صديقٍ إلى صفك بشدة، لأنه في رمشة عينٍ يمكن أن يستودعك الله وتأخذه القوارب والمطارات إلى العالم الجديد وأنت في أوج ارتباطك الروحي به، ومن المحتمل أيضًا أن تكون أول مغادريها بعد إشارة من مهربٍ دنيء، أو "فيزا" ذُلت روحك حتى نلتها.

في غربتك، الناس لا يدركون أنك إنسانٌ طبيعي، تمر بأوقاتٍ عصيبة يصبح فيها التواصل مع الآخرين أمرًا مريعًا، ليس بسببهم، وإنما لسوء حالتك النفسية الموازية للقاع، فتبدأ كلمات اللوم والعتب من القريب والغريب، والأكثر غرابة أولئك الذين يحملون السيف عليك إذا قصرت في حقهم وانقطعت عن أسبابهم لظروفٍ لا يدَ لك فيها، فلا تنفع في محاكمهم دفاعك المشروع عن حجة غيابك، ولا يلتمسون لك عذرًا من السبعين التي وصى بها رسولنا الكريم !

الجميل في التجربة التركية أني اكتشفت من صاحبي حقًّا، ومن كان يدعي صحبتي ويحبو إلي في معظم الأوقات، فالذي يحبك لشخصك وروحك سيبقى على تواصل -ولو ضئيل- معك، إن انشغلت عنه ذكرك بنفسه، وكلاكما تعرفان ماذا يعني الواحد للآخر.

قصرت في حق كثيرين كان من الممكن أن أحافظ على صلتي بهم، لكن زيف العلاقات ما عدت أريدها في مستقبلي حتى وإن اقتصر الأمر على إعجاب أو تعليق في وسائل التواصل الاجتماعي، وبالمقابل كسبت إخوةً بالمعنى الحق، عوضوني عن إخوتي وأهلي، وكانوا بمثابة حجر أساسٍ أتكئ عليه في لحظات ضعفي، ولأن موقعي من الحياة لا يؤهلني أن أرد لهم طيب صنيعهم معي مهما فعلت، اكتفيت بدعاء الواحد الكريم أن يجزيهم من الخير كله، ومن الكرم أكمله، أضعاف مايتمنونه لي.

أهم ما توصلت إليه في تركيا أن إخوتي هم أصدقائي الحقيقيون، مَن أستطيع أن أكون معهم منزهةً عن أي مجاملة أو تجمل، يتحملونني بشعثي وغبري، وكما كنت أقاسمهم غرفتي وأشيائي، أصبحت أقاسهم تفاصيل وحدتي وغربتي عنهم بحديثٍ شفافٍ لا أتقنه مع أحدٍ غيرهم.

بعد كل ما علمتني إياه استنبول من غثٍّ وسمين، وقبيحٍ وحَسن، يبقى لها في ذمتي معروفٌ وامتنان على ما قدمته من تجربة استثنائية لا بد من خوضها في مرحلتي هذه، لأنشد ما أبحث عنه دائمًا في اختلاف الحضارات والبيئات والأفكار، وأغني تربتي المعرفية المتعطشة للإلهام والاندهاش أينما وُجد.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.