المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نور الدبسي Headshot

المهاجرون الجائعون

تم النشر: تم التحديث:

بعد خلو سوريا من أكثر شبابها، وتحول معظمهم إلى مهاجرين في بلاد اللجوء الأوروبية، تأتي الهموم تباعاً على أزواجهن في أرض الوطن، اللواتي ما انتهين من آلام البُعد وانتظار لمّ الشمل، إلا ليبدأن سلسلة من أوجاع الغيرة والظنون التي لا ترحم.

معظم الشباب الذين هاجروا إلى أوروبا خرجوا من أوطانهم جياعاً إلى الحرية والحياة الكريمة والمستقبل الأفضل لعائلاتهم، فاستقبلتهم القارة العجوز بالطبيعة الفاتنة والحرية الاجتماعية والانفتاح في العلاقات بين الجنسين، فدخل العديد من المهاجرين في صراعٍ ثقافي وحضاري وجنسي، حتى أن كثيراً منهم فتنته دنياه الجديدة بما قدمت إليه من لحوم نسائية في أطباقٍ سهلة، فبات في حيرة من أمره بين الحبيبة في الوطن، والعشيقة في المهجر.

إحدى الحبيبات المنتظرات في سوريا مع جنينها المرتقب، قاسمت زوجها الغالي والنفيس، وتحدت الجميع لأجله، سكنت معه في المناطق المحاصرة، وأعطته ما لن تستطيع أنثى منحه إياه، وبعد أن أقنعته بضرورة السفر والبحث عن متنفسٍ جديدٍ للحياة، هجرها هجراً جميلاً، ليس بالجسد فقط، وإنما بأحاسيسه وقلبه.

زادت برودته، وقلّ شوقه، وضعف حنينه، وانقلب إلى زوجٍ يحادث زوجته كما يتكلم مع صديقٍ قديمٍ أو موظفٍ في البلدية دون اهتمامٍ أو مودة، فبدأ الشك والغيرة يتسللان إلى قلبها المشتاق، خصوصاً بعد تكرار رؤيتها لصورٍ تجمعه مع شقراء ادعى وجودها الدائم معه برسم الصداقة والصدف البحتة، وما أصعب غيرة المرأة! نارٌ ودمارٌ وحرائقٌ توقدها الظنون وتغذي شعلتها الشكوك، فلا تقوى على إطفائها مياه اليقين وإن كثُرت.

غالبية اللاجئين جاؤوا بجروحٍ جمّة من وطنهم، وأوجاعٍ أخلت اتزانهم في بلادٍ منحتهم جميع المتاح بعدما خُذلوا في مسقط رؤوسهم، فتحولوا إلى شخصياتٍ أصلب، ووضعوا أحاسيسهم جانباً حتى يدفعوا عن أنفسهم مغبة الشوق والحنين للأهل، فمنهم من وجد في النساء ضالته، أو في شرب الكحول عزاءه، ومنهم من بقي على عهده القديم محارباً في ميدان الشهوات، وقليلٌ منهم الصبور!

وأما الزوجات المناضلات مع أطفالهن أو وحدهن في بلاد العنف، فلا حول لهن ولا قوة، يقضين أيامهن على أمل اللقاء القريب مع شركائهن الذين إن لم يتحلّوا بالإيمان والوفاء، سيغلبهم الهوى والنفس الأمارة بما تهوى.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.