المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نور الدبسي Headshot

الخبز الذي تحول قضية

تم النشر: تم التحديث:

الإنسان كائنٌ زئبقي، رهينُ مجتمعه وعاداته، وأسير بيئته والأفكار المنبثقة عنها سواء وافقت شعوباً أخرى أم خالفتها، تراه متشبثاً بما وجده عليه آباؤه وأجداده، ليتبع في كثيرٍ من مواقف حياته سلوكاً فطرياً يتماشى مع صبغته الأولى وما شبّ على فعله في طفولته وصباه.

إلا أنه مع تغيير الأزمنة والأمكنة تصبح بعض الطباع غريبة حُكماً، ويتحول السلوك الحَسن في بلادك إلى فعلٍ قبيح خارجها، وتعاني عندها من صراعٍ بين ما تربيت عليه من مكارم الأخلاق وبين إيجاد مفرداتٍ مناسبة وتصرفات تتلاءم طرداً مع مقتضيات العالم الجديد.

أذكر ذات طفولةٍ -كنت فيها طالبةً في المدرسة الابتدائية- درساً يتحدث عن أخلاق الطريق وآدابه، وعن فضيلة إماطة الأذى وإبعاده كيلا يتعرض المارة إلى الضرر أو يصيب أحدهم عائق يوقف سيره ويحول مساره.

كانت تلك الفكرة نصب عيني دائماً، أجد فيها خُلقاً حميداً، وروحاً من الدين الإسلامي الذي يعتبر إماطة الأذى عن الطريق صدقة، ناهيك عن بُعدها الإنساني العالي وإحساسك بالمسؤولية تجاه الآخرين رغم جهلك بهم.

حدث مرةً في أحد أسواق لندن المكتظة بالمارة أني كنت في طريقي إلى البيت، مأخوذة بالملابس والماركات المحيطة من حولي، وإذ بي أصطدم بقطعة خبزٍ متوسطة الحجم في عرض الطريق، فانحنيت لالتقاطها ووضعها على جانب الطريق لعل أحد المتشردين أو الطيور الجائعة يجد ضالته بها.

وما إن وضعت كسرة الخبز في زاوية مهملة، حتى انهالت عليّ سيدة شقراء بلسانها المفعم لؤماً بعبارات اللوم، وبدأت بإعطائي درساً في "الأتيكيت" وأنه لا ينبغي رمي مخلفات الطعام في الطريق ما دامت حاوية القمامة أمامي، وعبثاً حاولت الدفاع عن نفسي وإخبارها أن القطعة ليست لي وأني وجدتها في الطريق وأردت إبعادها فقط، إلا أنها أبت الفهم ورأت عدم الاحترام في تصرفي، وأن مصير الفضلات حتى وإن كانت خبزاً فهو القمامة، فما كان مني إلا التوجه نحو الحاوية ورمي الخبز مكرهة، وكم كان مؤلماً رمي أحد مبادئي في مكانٍ مظلم..!

لعل تلك السيدة البريطانية لا تعلم أن ما اعتبرته قمامة، هو في بلدي كساءٌ ودواء وطريق للموت أيضاً، عندما استشهد العشرات من المدنيين الأبرياء على وقع قصف جوي أخذ أرواحهم وهم مصطفون أمام مخبز للعامة في مدينة حماه في حلفايا عام 2012.

لم تدرِ تلك الشقراء أن ملايين السوريين يقفون يومياً على اختلاف ظروف المناخ القاسية صيفاً وشتاءً من أجل الحصول على رغيفٍ يرتفع سعره أكثر من قيمة الإنسان هناك، وأن الخبز في بلادنا "نعمة" تربينا على تقديرها واحترامها مخافة أن نُحرم منها على حين غفلة.

مشكلة البريطانيين أنهم قوةٌ اعتادت غزو الآخرين، ولم يعش أبناؤها الأزمات والحروب، ولم يذوقوا الحرمان إلا في صراعاتهم الاجتماعية بين الأمراء والأسياد والطبقة العاملة عندما كان يُطهى غفير المواشي إلى الملك وأتباعه بأيدي عمالٍ فقراء، بل إن أجيالهم الجديدة لا تعرف أن قيمة الأشياء التي تبدو بديهية بالنسبة إليهم، إنما هي أساسياتٌ نفتقر وجودها من حيث أتينا.

لم يعانِ الإنكليز على مدى تاريخهم من انقطاع الماء والكهرباء، وسماع أصوات الرصاص والانفجارات على مدار الساعة وتحول وجودها إلى أمرٍ اعتيادي بعدما نفدت أصوات المستضعفين وهم يطلبون الحياة.

حتماً لا يعلم معظم سكان المملكة المتحدة أن الأشياء التافهة في يومياتهم هي "نِعم" تعاني في سبيلها ملايين الأرواح في بلدان العالم الثالث ومناطق النزاعات في العالم، هم أمةٌ معتدة بنفسها، أغلقت على مسامعها أصوات الأمم الأخرى، وبعد ضغوط دولية وأوروبية على بلاده، أطلق مؤخراً رئيس وزرائها "ديفيد كاميرون" العنان بخجل لاستقبال عددٍ متواضعٍ من اللاجئين السوريين، فكانت الاستجابة مهينة لا ترقى لحجم الكارثة!

لا أريد لأبنائي أن يعيشوا ترف الميسرة، ويتساهلوا في الحفاظ على المتوفر في حياتهم، وأمهم في وقتٍ سابق كانت مع آلاف الأقدام المنتظرة دورها للحصول على رغيف خبز، وجدهم في يومٍ عصيب كاد أن يتعرض لخطر الإصابة بأحد الكسور عندما زلت قدمه بفعل وجود قرص دائري أملس "سي دي" رماه شخصٌ لا مبالٍ في منتصف الطريق.

كثيرٌ من الخلق غافلٌ عن بيت الشعر لأبي البقاء الرندي الذي وصف فيه تدهور الأحوال في الأندلس بقوله: "هي الأيامُ كما شاهدتها دولٌ .. من سرّه زمنٌ ساءته أزمانُ"، وفي أحسن الأحوال لم يدرك الأنام الغاية من التضرع بالدعاء لاستمرار النعم عندما يَصدح القول: "اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وفُجاءة نقمتك"، فالنعم حالةٌ ليس من شيمها الثبات، والتغيير والتحول سمتها الأبرز، ويا ليت البشر يتعظون!!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.