المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نور الدبسي Headshot

شعوبٌ لا نعرف السعادة

تم النشر: تم التحديث:

في غمرة الحروب المستعرة والنيران التي لا ترحم أحداً، يجبرك الواقع على خلعه، وارتداء لباس الترحال، لتبدأ سلسلةً من معاناة السفر والغربة، وذكرياتٍ لا تعرف الاستكانة والهدوء، فتعيث في حواسك الفوضى والحنين الدائم إلى مسقط رأسك المشتعل حرباً، وتاريخك في مكانٍ قسا عليك بظلمه، وقسوت عليه بهجره!!
عندما يكون السفر وسيلةً للرفاهية أو غايةً للعمل، تكون الحقائب أكياساً من الفرح اللذيذ، تخبئ في راحاتها شوقاً إلى مكانٍ جديد وصوراً في الكاميرات المعدة مسبقاً لتثبيت اللحظة وتخليدها لوناً، أما إذا كان شراً لابد منه، بعد احتضار النَفس الأخير في بلدك العربي، وشعورك بالاغتراب داخل حدوده، هنا يتحول السفر إلى عبء يقطع الأنفس ويودي بها إلى مغامرة من العيار الأصعب لا تعرف عقباها.
مع ظلم بلادك، وطغيان حكامها، تختزل حضارة لندن في ذكرى مؤلمة داخل محل دمشقي يتوسط عاصمة أرجائها، وتختصر السعادة في حدائق هولندا بسندويشة "فلافل" طازجة اختلستها من مطعمٍ عربي لتحيي ذاكرتك الجريحة، وتغدو أغنية عربية هابطة المستوى أسيرة أذنيك إذا سمعتها تصدح من واجهةٍ منسية في وسط أستوكهولم، وتصير شوارع برلين باحةً للدموع عند سماع فيروز تشتكي بحسرة: "فزعانة يا قلبي، أكبر بهالغربة، وما تعرفني بلادي"..
في أوروبا تعتقد أنك أصبحت أقوى، وامتلكت مفاتيح السعادة في جيوبك، وتتوهم تغلبك على ماضيك بكل ألمه ووجعه في بلاد الموت، يوم كانت الكهرباء -المستمرة دون انقطاع- حلمك الوحيد، والمياه المتوفرة -لحظة تشاء- منتهى أمانيك، لكنك في القارة العجوز تضعف أكثر، وينكسر فيك شيءٌ لم تكن تدرك وجوده في جسدك..
لديك الدنيا بطاقمها الجمالي وإمكانياتها الأبرز وصورتها الأكمل، لكنك لا تجد حميميةً في تعاملها معك، ولا دفئاً في نظرتها إليك، أنت إنسانٌ مصان الكرامة والحريات والإنسانية، لك من الحقوق وافرٌ كبير وعليك من الواجبات الكثير، لكنك في نهاية اليوم تعود إلى شقةٍ لن تملأها عائلتك بصخبها، ولن يزورها صحبك المتفرقون في أرجاء الكرة الأرضية، ولن يتعرف عليك أحدٌ إن صرخت بلغتك عالياً كما كان يلتف حولك جماد الأشياء في موطنك، ويد تربت على كتفك دون أن تعرفها، لأنك "ابن بلدها" أولاً وأخيراً.
لا ينكر عاقلٌ تفوق أوروبا الحضاري على العالم أجمع بمختلف ميادينه وساحاته، وليس لأحدٍ التقليل من مكانة القارة العجوز في العالم وإبداعها نماذج للإنسانية والعدالة لم يشهد عالمنا العربي مثلها -إلا فيما ندر-، لكننا نبقى شعوباً عربية نحمل تاريخاً متأصلاً في النزاعات والحروب يمتد لقرونٍ كثيرة، جعلت من كل مواطن عربي مشروعاً للنضال القومي الذي لا يعرف معناه إلا في وطنياتٍ مفتعلة وأحاسيس لا تُكسب خبزاً، وفي أحسن الأحوال حولت أجسادنا إلى كتلةٍ من العواطف المتضخمة والجاهزة للانهمار دمعاً عند أول مفترقٍ للذكريات بشكلٍ معيق!!
نحن شعوبٌ عاطفية، أدمت المشاعر مضاجعنا، حتى بتنا كَلاً ثقيلاً أينما حللنا، لما نحمله من هموم ثقال وأوجاعٍ من بلادنا العربية التي طغى فيها الظلم على نواحي الحياة، فأصبح العيش فيها مصيراً لا يطاق !!
نحن شعوبٌ لا نعرف ممارسة السعادة بأبهى حللها، تضيق علينا جنان الأرض برحابتها، وتتحول الروض الغنّاء إلى مساحات للألم والذكرى والتحسر على ما تركناه خلفنا من عوائل تعيش في عتمة الظلام، وتنتظر غدها المجهد بأعباء النفقات والقذائف والحمم، فلا هم يعيشون حياةً فعلية، ولا نحن ندرك للراحة معنىً !!
نحن شعوب أتخمنا من تاريخٍ طغت دماؤه على حضارته، ودماره على منجزاته، وعواطفه على عقله، ودموعه على أفراحه، حتى إن أُعطينا أبواب الجنة، لشعرنا بفرحٍ عارم مع غبطة من الحزن وهطولٍ مفاجئٍ من العبرات المالحات.
من الطبيعي في أوروبا أن ترى مزيجاً من الخلفيات الحضارية المندمجة في المجتمع الواحد، فالإيطالي يلجأ إلى بريطانيا كي يأخذ لغتها، والإسباني يعبر إلى ألمانيا من أجل عملٍ أفضل، والأسكتلندي يتخذ من القارة السمراء مهبطاً لأسفاره ومغامراته، لكن العجب أن جميعهم مرتاحو البال، لا يفكرون بما تركوه خلفهم من ذكرياتٍ وعائلات، ولا يعيرون انتباهاً لما ينتظر مستقبلهم من تقلباتٍ وأحداث، إنما يعيشون يومهم بطمأنينة وكأن أحداً لا يعنيهم في الكون، ذلك أن أوطانهم أعطتهم حاجتهم من الحياة، وزرعت من الثقة والأمان في صدورهم ما يكفيهم لمستقبلٍ لا يخافونه، وأيامٍ تمضي بخطىً متناغمة في عالمهم الهادئ.
هم يعيشون ليومهم فقط، بينما نحن نعيش أحلام غيرنا.. مآسي أوطاننا.. ذكريات بلادنا.. طموحات أهلنا.. وحياة ليس لنا عليها سلطة.
أنت عربي، إذاً مكتوبٌ عليك أن تعيش السعادة بأدنى درجاتها، لأنك رهين وطن أنجبك داخل مستنقع من المآسي ومزيجٍ من الضغوطات والمسؤوليات الفادحة، في وسطٍ حميمي شرقي، لا يخلو من دفء العواطف والأحاسيس الفائضة التي قلّ نظيرها في البلاد الباردة.
أنت تخرج جسدياً من بلدك، لكن في الواقع.. من الصعب أن تخرج منك بسهولة !!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.