المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نور الدبسي Headshot

لندن ووالدي ووثيقة سفري

تم النشر: تم التحديث:

ما مشيت في أحد شوارع لندن، أو نظرت إليها من النافذة، أو خرجت إليها لشأنٍ يعنيني، إلا وكان والدي مرافقي الأول في الصحبة، وصديقي الذي يربطني بالمكان بروابط متينة وذكريات لعاصمة لم يدسها سابقاً إلا في الحلم بعيد المنال.
ربما لأن ذاكرتي البعيدة تأخذني إلى أيام طفولتي، عندما كان أبي يستمع إلى إذاعة لندن الناطقة باللغة العربية، ويُطرب لصوت ساعة "بيغ بين" الصادح على رأس كل ساعة، فتعود إلي ضحكاتي أنا وأخي وسخريتنا من قدرة المذياع على إحضار صوتٍ يبعد عنا ملايين الأميال.
أو لعل تفاصيل لندن التقليدية من الباص الأحمر التراثي وغرفة الهاتف العام وأنبوب البريد الخارج من عنق الأرض في كل شارع، هم من يعيثون في نفسي حنيناً لوالدي الذي عاش عمره على حلم صعود الباص وتنشق الهواء النظيف من الطابق الثاني، وحوله الأعراق المختلفة واللغات واللهجات التي لا يتقن منها شيئاً.
لكن .. ؟ كيف لوالدي أن يعيش الحلم البريطاني وهو الذي كُتب عليه كما كُتب على جميع الفلسطينيين المولودين في دول الشتات من سوريا ومصر ولبنان والعراق حمل وثيقة سفر لا تعطي صاحبها إلا رتبة مواطنٍ من الدرجة العاشرة، وتمنع عليه حقاً أساسياً من حقوق إنسانيته في الحياة، ألا وهو السفر بحرية والتنقل بين البلدان دون عائق يُذكر.

"الوثيقة الزرقاء" ذات الغطاء الخارجي المخادع، المشابه لجواز السفر الرسمي، بينما على سطحه جملة خجولة "وثيقة سفر للاجئين الفلسطينيين" تحرم حاملها أن يكون إنساناً عادياً كنظيره الأوروبي أو الآسيوي أو الإفريقي القابع في غابات إفريقيا الحارقة، وإذا ما أراد السفر، حضر حقائبه واتجه إلى أقرب مطار إليه، وفي يده جواز سفر حقيقي يأخذه إلى حيث يهوى دون عوائق أو مشاكل إلا في حالات معينة.

بدأت مأساة اللاجئين الفلسطينيين بعد قيام الكيان الصهيوني بأعوام، عندما زادت جامعة الدول العربية نكبتهم وأصدرت قراراً في عام 1955 يمنع فيه الدول العربية المستضيفة للاجئين من الجمع بين جنسية دولتين، وإعطائهم وثائق سفر بديلاً عن جواز بلدهم الفعلي، وذلك حفاظاً على "حق العودة" المنتظر منذ عقود، ولتلافي خطر توطينهم وإغلاق ملف اللاجئين بشكل تدريجي.

ما غفلت عنه الجامعة الموقرة أن الفلسطينيين اللاجئين منذ نهاية أربعينات القرن الماضي قد أنجبوا في بلدان شتاتهم أولاد وحفدة أضحى عددهم أكثر ممن بقي في الأراضي الفلسطينية، وباتوا يشكلون مجتمعات متكاملة ومتجانسة مع محيطهم الجديد، ونشات بينهم وبين البلد المضياف علاقات ارتباط وثيقة مثل الزواج والعمل، ولم يعد هناك فرقٌ بينهم وبين السكان الأصليين إلا بالهوية الرسمية أو وثيقة السفر، حتى أن كثيراً من الأجيال التي ولدت بعيداً عن فلسطين استطاعت الاندماج بشكل سلسٍ مع أوطانهم الجديدة دون فوارق واضحة تميزهم عن أهل البلد إلا باللهجة وبعض العادات أحياناً.

ليس لفلسطينيي الخارج ذنبٌ في مأساة الأمة ونكبتها عندما قسمهم الصهاينة إلى عرب الداخل والخارج، بل زادت همومهم هماً مع "ورطة" ما يحملون من وثائق سفر تجعل موظفاً في دائرة رسمية ينظر إلى الفلسطيني باستهزاء لسخرية الوثيقة المقدمة إليه، ويطلب منك بثقة وقحة إحضار جواز فعلي لبلده الأصلي فلسطين، أو بلد اللجوء المقيم فيه، وما أضعف الطالب والمطلوب !!

أذكر لحظة رؤيتي لتأشيرة السفر البريطانية على وثيقة سفري كم أجهشت بالبكاء أرضاً، لا لأني على موعد حتمي مع سفرٍ قريب، وإنما لاستعادتي جزءً من إنسانيتي وحقي في السفر مثل أي إنسان يسكن القارات الخمس، وليس نكرةً طرده الاحتلال من أرضه، فزادته الدول العربية ذلاً وانكساراً.
مازال لدي هاجسٌ من المطارات، وحقدٌ دفين على بوابة خروج المسافرين، التي تطلق آلاف الأعناق والأشواق يومياً بين الأهل والأصدقاء وأصحاب الأعمال، وتعجز بشكل مشينٍ عن إنجاب أهلي من أحد قاعاتها، أو التحضير لموعد طال انتظاره بين فلسطيني يعيش في قارة غربية مترامية الأطراف، وأهله يقبعون في حدود البلدان العربية مع وثائق سفرهم البالية، والمانعة عنهم حق السفر والحياة والحرية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع