المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نور الدبسي Headshot

وطن مع وقف التنفيذ

تم النشر: تم التحديث:

لاجئون نحن على أعتاب وطنٍ رفضنا وضم ذراعيه لمن كانوا بالأمس أنصاف أشباح, يحتضنهم اليوم لينهشوا خيراته ويعيثوا في ياسمينه فساداً.

مغيبون نحن عن أرضٍ رضعنا حبها من أثداء وطنيةٍ أهديناها عمراً من التشتت والضياع، وأعطتنا قرونا من الخيبة والوجع, لاثمين بتلك السنوات ملوحة دماء لم يئن لها أن تكتب في السجلات الرسمية فماتت على مقربة من الحياة قيد أنملة.

معزوفون نحن لحناً حزيناً على أوتار عالمٍ صاغ إيقاعه قبل الحرية بأميال، تاركاً وحوش الظلام يعيدون صياغة سلم موسيقي ضُبط على قطرات دماء أذكى من الندى ما لبثت تستنشق الحياة فكان الموت هواءها.

مغربون نحن في وطنٍ جعل من أسمائنا جثث هامدة لتكون مزاراً يشحذ عليها فتات الليرات وشح الدولارات.

"لبيك اللهم لبيك" لم تكن ذات حزيران تكبيرات طواف حول بيت العلي القدير إيذاناً باقتراب العيد, بل كانت صرخات أرواح قُهرت قمعاً وشبعت ذلاً فما وجدت وهي على بوابة الجحيم إلا الله ملجأ لصدورها العارية، ومستودعاً لحقيبة أحلامهم التي ستثمر ربيعاً على حين غفلة.

"الله أكبر" أصبحتا أكثر من كلمتين يمجد بهما الخالق ويعلى عمن سواه, يومها فقط أمستا راية يكتسي بها كل مؤمن بنصرٍ قريبٍ آتٍ لا محال من فوق سبع سموات، يمطر حريةً على رؤوس شعب كَهِلَ قيوداً وسلاسل من نار، التفت حول عنقه طوال سنين عجاف ما أغنت عنه من الجوع ولا ردت عنه الذل والدموع.

المخاض زاد ولم تعد هناك فرصة للتراجع أبداً, هي لحظات تاريخية ليس إلا, تقف فيها الأمة على خطوات من نهار آخر تنتظر إشراق الشمس من قبلة جديدة توزع فيها أشعتها بالتساوي على من لم يعرفوا المساواة حتى في المعادلات الرياضية.

الولادة متعسرة، فيها ندوب قرونٍ من الصمت الذي عاث في رحم الحق فساداً، فلم يعد خروج الروح الجديدة على منتظريها أمراً هيناً، بل أصبح أسير صرخات موجعة، وزنازينٍ مظلمة، وسجونٍ تآكلت جدرانها من قروح محبوسيها، وآخرين كُتب عليهم الإبحار موتاً إلى البلاد البعيدة بحثاً عن رمق حياة وفسحة هواء.

الطغاة أخذوا الإنسانية بأكملها ملقين بها في قمامة نفوسهم الهشة على مرأى من العالمية التي شربت معهم نخب جراح رضع وأمهات ثكالى دون أن يرف لها طرف أو يقشعر لها بدن.

سرقوا أحلام شعب جلّ ما احتل تفكيره اليومي كيفية الحصول على "ربطة خبز" ومعرفة محطة البنزين الأنسب لقضاء ساعات في انتظار "قارورة من غاز" .

كيف لقلب أولئك الطغاة إطاعتهم أن يدوسوا بكعوبٍ عالية على شعب زُرع في تربةٍ سمادها الخير والبركة، ولسانه الحمد والشكر على من يبني له معروفا أو يرديه خبثاً.

كيف لأرواح أولئك الطغاة الطمأنينة وهم يطلقون السم على طفولة اعتادت أذانها سماع طلقات الرصاص والنار كحكايات ما قبل النوم، وأصبح الهدوء يعكر صفو ليلها ويبعد عنها النعاس.

بجبروتهم وطغيانهم حولوا جيلاً بأكمله من مشاريع للمستقبل إلى مشاريع شهداء معلنين القِران على موتٍ يلوح في الأفق, ومغتسلين بماء الكرامة الطاهر فاتحين أبوابهم للقدر ومتأهبين لموت فجائي.

معركتنا معهم هي الوقت مزيناً بأجساد ستقدم أرواحها قرابين للحرية, هو الزمن الذي سيضعهم على هامش التاريخ ليدفنهم في مقابر قذارتهم..

هو الزمن الذي سنصبر عليه طالما أنه سيأتي يوم ويثمر فيه ربيع ويصبح أخضر.. ومن جبروتهم الله أكبر ..