المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نهى موسى سليمان Headshot

جديدة في بلاد غريبة

تم النشر: تم التحديث:

الشمس ساطعة، والعصافير تغرّد في جميع الأنحاء، كنت أحتسي فنجان القهوة، وأنظر من نافذة المنزل الصغير الذي أسكن به، القاطن في ضواحي فيينا، تأملت جمال الشارع ونظافته مع اصطفاف السيارات جنباً إلى جنب، كم سعدت بوجودي هنا بعد عناء الدنيا، نعم إنه ليس موطني الذي تربيت فيه، ولكني أكِنّ له كل مشاعر الإخلاص والحب، فهو الذي استقبلني بصدر رحب عندما قررت الرحيل.

في يوم من الأيام قررت المنظمة التي أعمل لديها بالنمسا، وهي منظمة للرفق بالحيوان، أن ترسل فريق إغاثة إلى دولة العراق لإنقاذ آخر حيوانات موجودة بمدينة الموصل، ومن ثَم نقلها إلى دولة الأردن، إلى محمية طبيعية تابعة للمنظمة.

كان اتخاذ موافقة السفر سريعاً ودون تردد، كنت غيرَ خائفة لأنني تخطّيت هذه المرحلة منذ فترة، ما كان يقلقني هو داعش وسيطرتهم هناك، وعن كل الأقاويل والأخبار السيئة التي نسمعها دائماً كل يوم.

المهم سافرت وكانت نقطة اللقاء في مدينة أربيل، سافر بعض الفريق قبلي بفترة، وعلى حسب توزيع مهمة كل شخص، كان يوم الثاني من أبريل/نيسان لعام 2017 عندما سافرت، كانت رحلة شبه طويلة لدواعي الترانزيت بإسطنبول.

كانت كل دقيقة تمر بالنسبة لي كساعة من كثرة تشويقي وفرحتي؛ لأنني سأسافر لإنقاذ هذه الحيوانات للمرة الأولى لي في بلد يتكلمون فيه اللغة العربية.

عند هبوط الطائرة كانت أول صدمة لي عندما رأيت جمال الطبيعة الخضراء بمدينة أربيل؛ حيث ظننت أننا ما زلنا بأوروبا! إنها عكس تماماً ما توقعت من جراء الحرب بالمنطقة، وعندها زاد اشتياقي للنزول من الطائرة لمشاهدة هذا البلد الجميل، كانت صدمة أقوى في عمري قابلتني عندما تحدثت باللغة العربية في المطار!

نظرات غريبة تحوم حول المكان، وكأن العربية لغة مشبوهة! ذهبت إلى أخذ التأشيرة، وعندها قال لي الشرطي: عفواً أنتِ ليس عندك تأشيرة، ورفض التحدث كثيراً رغم أن معي جميع أوراقي والدعوة المطلوبة من قِبَل منظمة بكردستان لرعاية الحيوانات بجانب أوراق المنظمة التي أعمل بها، عندها قال لي الشرطي وهو يبلغ زملاءه: هذه مصرية وما معها تأشيرة! ههههه!! وللأسف لغتهم العربية غير واضحة، وكلها تكمن بالتهكم من ناحية العرب، وساعتها علمت تماماً كمية عنصرية بعضهم من هذا الموقف، فانتظرت في المطار إلى حين تحدثت مع المنظمة، وللأسف هناك ضباط أمن كثيرون كانوا عنصريين وغير متحضرين، رأيت شعباً غريباً وكأنهم غرباء لي تماماً، وأعطوني إحساس الحزن على كوننا أشقاء، ونعيش جميعنا على هذا الكوكب، ولا أعلم لماذا البعض بهذا التفكير على الرغم من أن لي أصدقاء من أربيل وفعلاً من أحسن وأشرف الأشخاص الذين قابلتهم في حياتي، ولكن بعد هذا الموقف أدركت أنها سوف تكون مهمة فيها تحدّ كبير.

كانت أطول ساعات انتظار إلى حين جاءت الموافقة من رئيس الوزراء بكردستان، وشاكرين لحسن تعاونهم معنا، وتقبل الموقف، وعندها اختلفت تماماً التعاملات بالمطار، وحينها أدركت أن هذا سيكون تحدياً غير متوقع لكسب هذه المعركة، ذهبت إلى الفندق، وهناك تقابلت مع بقية الفريق، وشعرت بالراحة إلى حد ما، في اليوم التالي تقابلت مع ممثلين من وزارات مختلفة، ولكن من بغداد (عرب)، كما يقولون أهل كردستان، وللمرة الثانية أدركت أن التحدث باللغة العربية في هذا البلد ليس شيئاً لطيفاً حتى بوسط المدينة!!

كان من الصعب أخذ سيارة أجرة، وعندها صدمت عندما طلبوا مني أن أتحدث باللغة الإنكليزية للسائق؛ لكي يوافق على أخذنا إلى المكان المطلوب لتكملة تنسيق بعض الأوراق المطلوبة، وعندها فعلاً وافق السائق!

من هذه اللحظة بدأت معي الصدمة الحضارية والحزن الدفين لما وصل إليه الإنسان، لماذا؟ نحن كلنا إخوة ورسالتنا واحدة في هذا العالم، فنحن منظمة أوروبية ضحت بالوقت والمجهود لمساعدة بعض الحيوانات المظلومة من قِبل الإنسان، ولكون هدف ورسالة المنظمة إنقاذ كل مَن هو مظلوم ومقهور من هذه الحيوانات وفك أسرها إلى أن تكون حرة طليقة، كثيرون ينتقدون هذا العمل، ولكن الرحمة والإنسانية والعمل الصالح لا تتجزأ، ولولا الإنسان ما كانت هذه الحيوانات تتعذب في مكانها؛ لذلك كنت أتمنى رؤية سلاسة أكثر في التعامل.

في اليوم التالي علمت من الفريق أن الحيوانات مع الفريق منعوا من الخروج من الحدود بين أربيل والموصل! بسبب الجيش العراقي على الرغم من وجود جميع الأوراق والمستندات المطلوبة بدخول وخروج الحيوانات والفريق من المكان!

ولكن تكون المفاجأة أن قائد الجيش غير موافق؛ لكون دخول الحيوانات خارج الموصل! وهنا هي مسألة عزة نفس ليس أكثر! ولكن ما ذنب هذه الحيوانات البريئة؟ ما هذا الكون الذي نعيش فيه؟! أذناي كانتا على وشك فقد السمع لسماع أن هذا القائد جعل الفريق ينتظر أكثر من عشرة أيام على الحدود بحجج سخيفة، كانت حقيقةً من أصعب المهمات على الإطلاق!

لا يمكنني أن أنسى يوم ذهابنا على الحدود في الساعة ١٢ ليلاً لمقابلة بقية الفريق مع الحيوانات البريئة، التي ليس لها أي ذنب أن تكون ضحية جهل، تخلف وعدوانية الإنسان، شيء ليس يصدقه عقل عندما كان رد الجيش أن الحل أن يقتلوا هذه الحيوانات، وأن تنتهي هذه القصة!!

أحقاً هذا الحل عندهم! لماذا؟ ماذا فعلوا؟ ماذا نحن فعلنا؟ كان من الإمكان أن نهمل هذا ونكون سلبيين مثل كثيرين، ولكن عند ذلك الحين مَن سوف يهتم؟! مررت الساعات وأيام قليلة عندما جاء حل آخر، وعذراً لعدم الإباحة به لدواعٍ أمنية، ولكن في النهاية ما زلت مصدومة من هؤلاء الأشخاص الذين لا يعرفون غير السلاح والدم، عذراً ألا يشرفني وجودي في مثل هذا العالم المليء بالفساد من أوله لآخره، لقد رأيت أشياء عمري ما كنت أتخيلها في حياتي، رأيت أناساً كل همهم جمع الأموال بأي طريقة وبأي ثمن.

مثال بسيط حصل أمام عيني حين رأيت فتاتين يتكلمان العربية فيما بينهما وبجانبهما رجل يتكلم الإنكليزية، وكانوا يتحدثون عن كم سيأخذون إلى حين إرسالهم إلى شرقي الموصل لأخذ صور من هناك من قلب الأحداث وإرسالها إليهم مقابل 500 دولار باليوم! ولكونها مدينة ما زالت تحت سيطرة داعش فيخافون الذهاب إليها ولذلك يرسلون أشخاصاً محتاجين للمال، ويستغلون جهلهم وغيرها الكثير والكثير.. فعلاً تعلمت أن كل يوم يوجد شيء جديد، وتعلمت أن الحياة ليست كما ترسمها لنا الأفلام والقصص الخيالية، الواقع شيء مقزز عندما تتدخل في تفاصيله.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.