المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نهى محمد سلامة  Headshot

علَّمتني الغربة

تم النشر: تم التحديث:

لو أنني كتبت ما علمتني الغربة لملأت صفحات وصفحات، وسأكتفي اليوم بقليل القليل عسى أن يكون كثيراً.

علمتني الغربة أن ربك يحيط بك علماً في كل مكان، فقط عليك أن تستحضر عظمته وحكمته بقلبك وتسلم نفسك له.

علمتني الغربة أن الدين عبادات، هذا مؤكد، ولكن لو لم يتحرك قلبك بالتوكل واليقين ما ذاق طعم الإيمان.. مرت عليّ لحظات كنت أشعر فيها أنني ريشة في مهبّ رياح عاتية.. تُرى ما شكل ذاك التوكل الذي ينجيها؟

علمتني الغربة أن من أراد الله له الحياة، سيحيا رغم أنف كل من أراده فانياً.

علمتني الغربة أن طعنات الأصدقاء أشد فتكاً من الأعداء؛ لأنها طعنات من الأمام وأنت تفتح ذراعيك لهم.

علمتني الغربة أن الخوف هو قاتل العقل الأول، وأنه قد يعصف بك ويدمرك إذا ما استسلمت له.. والشجاعة هي عنوان لفضائل أخرى كثيرة.

علمتني الغربة أن التفاني في محبة الآخر وخدمته لها حدود ذكية، تحفظ بها حياتك وتحافظ بها على الرسالة حتى لا يؤخذ تفانيك مسلماً به.

علمتني الغربة أن ربك قريب قوي.. قد يبعث لك برسالة حنان و"طبطبة" في وقت لا ترى فيه نفسك ترتقي لها.

علمتني الغربة أن دعاء المغترب له صوت، وله حلاوة وطراوة على القلب لا يضاهيها دعاء الشاهد.

علمتني الغربة أن ظهورك في مكان آخر غير ما خططت قد يكون دعاء لشخص ما في جوف الليل ساقك الله إليه.

علمتني الغربة أن العلم والتعلم هما أعظم ما قد تتحصل عليهما في غربتك.

علمتني الغربة أن لي قلباً متسامحاً، دون كبر أو عجب، أذكر الحيرة وأنا أبحث عن صيغة لدعاء على ظالم، فأبتسم، حتى يجلد القلب حينما يصمم الظالم على سماع اسمه في السماء دون شروط.

لكنها أيضا علمتني -تلك الغربة- أن أمضي مبتسمة راضية صافية، وأنا أرى ربي بقلبي حاضراً.. جابراً.. محيطاً بكل شيء علماً.. كم يرضى قلبك أنه يراك.. يسمع ويرى، وأنه السيد لا سيد سواه ويدكّ دكاً من ينازعه الكبرياء، ما أشد راحتك وأنت تسعى في رسالتك بأمره وتترك لك الأمر كله، وتبتسم عند الصعاب، تبتسم عندما ترى بعض الناس من حولك يلهثون وراء الدنيا وأنت تراها من الأعلى وتقتبس روحك قبسة راقية من السماء.

علمتني الغربة أن غيابك عند البعض حضور، وغيابك عند آخرين غياب.

علمتني الغربة أن ربنا هيعلمك "غصب عنك"، وسيرسم لك الخير كله إذا ما رأى فيك خيراً.. اليوم ابتسمت وأنا أتعجب كيف أن ربي علمني غصباً ما كنت أظن أنني لا أريده.

علمتني الغربة أن من الناس مَن يتحدث عن الغريب باسمه وهو غائب، وهو مما يقولون براء، ومن الناس مَن لا يخطو خطوة واحدة إلا بالحديث معك، لا يبت في أمر إلا استشارك أكثر مما كنت حاضراً.

علمتني الغربة أنني أمتلك من فضل ربي الكثير من القدرات.. ما كنت أحسب أنها لديّ.

علمتني الغربة أن أصحاب الرسالات من وهبوا أنفسهم لسعادة الناس لا وقت للراحة لديهم، وأن العالم بانتظارهم، فيا رب اجعلنا منهم.

علمتني الغربة أن تدرب نفسك كثيراً، وأن تجعل هواك فيما يريد الله وفيما يقيمك، لا فيما تراه أنت.

علمتني الغربة ألا أثق أبداً في نفسي.. ثقتك لا بد أن تكون مستمدة من الله، ستبتلى فيما كنت تظن أنك تحسنه، فتعلم من الآن.

علمتني الغربة أنك مبتلى أحياناً في أعز ما تملك.. ابتلي إبراهيم -عليه السلام- في حنانه، وابتليت أنا في لوعتي على قلوب الناس، في دمعتي حرصاً على سعادتهم، فيا رب لك الحمد لحكمتك وقدرتك.

علمتني الغربة أن السعادة منك لا تأتيك من خلف الحدود.. هي بنت قلبك، بنت عقلك ليست تشترى بالنقود.

وتأبى الغربة إلا أن تختار لك وجوهاً تكمل معك ما تبقى من حياتك، عيونها تبكي فرحة بلقاك، وأيديها ترتعش حباً في يديك، وجوهاً كانت باهتة بين الكثير، فأظهرتها الغربة ونفضت عنها الغبار، فإذا هم ناصعون كالبريق، وأيديهم على كتفك رواء، وأصواتهم في أذنيك ألحان، ودموعهم حب لك يرسم طريقاً، وابتسامتهم في وجهك طوق للنجاة.

لم تختَرهم أنت، بل اختارهم لك الله، فكيف سيكون الاختيار؟!

وأخيراً.. هل سمعت أمثالي يقولون إنك لن تستطيع أن تعمل شيئاً بلا شغف؟
واليوم أقول لك: تأبى الرسالة إلا أن تقف شامخة مقدسة، قد لا يدعمها شغف ولا صحبة، اختباراً لها ولعمقها في قلبك، وتشق طريقك وهي بين أحضانك حتى لا ينالها سوء، تتدحرج فتحتضنها أكثر، تسند بيد والأخرى تربت عليها، فتشق لها طريقاً جديداً من الصحبة والشغف، بل والتميز الذي ما كنت تتوقعه.

فاللهم لك الحمد حمداً طيباً يليق بجمالك وجلالك، اللهم لا تجعل كلماتنا حجة علينا، واحفظها عندك تسبقنا إليك.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.