المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نهى محمد إسماعيل Headshot

كان في بيتنا أب

تم النشر: تم التحديث:

في تلك الأيام الغبراء تحول الأب إلى ماكينة نقود ليس إلا، وكأن هذا العالم لم يكتفِ بكل هذا التدمير، فدجج كل أسلحته لإيقاع الأب في فخ لا خلاص منه إلا برحمة الله.

دعونا أولاً نتذكر دور الأب الذي يكاد يكون تغير بشكل كلي، الأب حقاً مسؤوليته لا تبدأ عن قدوم أولاده إلى الدنيا -كما يعتقد البعض- إنما هي تبدأ عند اختياره لشريكة حياته ورفيقة دربه، وقبل أن يبدأ في تربية صغاره، هو يستعد نفسياً أولاً وأحياناً يربي نفسه بنفسه؛ ليكون على قدر المسؤولية الكبيرة التي ستلقى عاتقه بمجرد أن تلمس أقدام وليدة فراش المهد.

قاتل الله معترك الحياة وصعابها التي أدت إلى أن يتخلى الأب عن دوره الذي كان يبدأ بتوفير الأمان المعنوي لأسرته قبل الأمان المادي، الأب الذي دوره أن يقود الدفة ويحرس بيته ويأمنه ويعوذه من كل شيطان وهامة.

اعلم جيداً عزيزتي الأم أنك تقرئين السطور الأولى، وتحزنين كثيراً على حال رفيق دربك الذي خرج من الصورة بشكل كلي، ولكن هل بنا نرجع إلى الوراء قليلاً لنتذكر كيف حدث هذا؟

لنتذكر أولا صورة الرجل والأب الشرقي، هو ذلك الشخص الذي يكد ويتعب في الخارج؛ ليوفر لقمة شريفة لأسرته؛ ليعود بعدها إلى بيته ليجد زوجته الحبيبة، ها هي قد هيأت البيت لاستقبال رجلها؛ لتنفض عنه غبار العمل، وتطعمه طعاماً قد أحضرته بكل حب، فهي لا تعرف عملاً غير أن تهتم بشؤون زوجها وبيتها وتربي أولادها؛ ليستريح قليلاً، ويبدأ في معرفة أخبار أهل بيته، وليحل مشكلة هذا، ويقوّم سلوك ذاك، أب بمعنى الكلمة، هو عمود البيت، وحارسه الأمين.

إذاً ما الذي تغيّر؟ ماذا حدث؟
مع بداية حقبة الستينيات وتعليم الفتيات والتحاقهن بالجامعات، بدأ يظهر رويداً رويداً نموذج المرأة العاملة، وبدأت تتغير نظرة المجتمع تجاه عمل المرأة، فبدأ التقبل، وتبعه الحث على العمل، حتى تؤمّن نفسها مادياً وتحصل على فرصة جيدة للزواج، إلى هنا لا نرى تغيراً كبيراً، ولكن التغير بدأ بمجرد زواج تلك المرأة العاملة التي ما برحت حتى أصبح عملها ضرورة للمشاركة في تأسيس البيت والإنفاق عليه، يداً بيد مع زوجها، هنا الطامة الكبرى، الزوجة اقتسمت دور زوجها، فأصبحت تستيقظ لتلقي وليدها عند أمها أو في إحدى دور الحضانة؛ لتخرج وتقاتل في المواصلات العامة، للوصول لعملها، تنتهي منه، فترجع إلى وليدها المسكين، وتعود به إلى البيت لترتدي دور الأم والزوجة مرة أخرى، وتبدأ في الاهتمام بأمور زوجها وصغارها، وهلم جرّا من دائرة لا تنتهي من الكد والجهد، والقيام بنصف دور الأب ونصف دور الأم.

قد يرى القارئ أنني ضد عمل المرأة، ولكنني لست كذلك، أنا فقط ضد النتائج السيئة التي أتت من وراء تطبيق نموذج عمل المرأة بأسوأ صورة وأكثرها تشوها التي انتقصت من حقها وإنسانيتها قبل أي شيء.

فيا تُرى ماذا أنجبت لنا المرأة العاملة التي اقتسمت نصف دور زوجها أو ربما أكثر؟

أنجبت لنا هذا الذكر الذي تعود أن تقوم امرأة بالعمل لتوفر له النقود، الذي اعتاد أيضاً أن تقف أمه في طوابير الخبز لتأتيه به، ولتعود إلى البيت لتصنع الطعام، ليجلس هو مكانه، لا يفعل شيئاً، فتنهر الأم ابنتها، لتقوم بتنظيف غرفة أخيها -هذا الذي لا يفعل شيئاً سوى النوم والأكل دون مجهود- فيا ترى ماذا سيكون هذا الذكر عندما يكبر ويصبح زوجاً وأباً؟

سيصبح هذا الزوج الذي يقبل أن يمد يده إلى زوجته لينفقا على بيتهما، الذي لا يرى عيباً أن تقوم زوجته بكل شيء تقريباً من تربية ورعاية وإنفاق وهو يشاركها الإنفاق فقط، إلا أنه بعد كل هذا يرى نفسه سي السيد الذي يفعل ما لا يفعله أي رجل!

بشكل كبير هناك جزء لا بأس به من الأزواج تنحّى بإرادته عن القيام بدوره، وهناك تلك المرأة المريضة التي استغلت ضعف شخصية زوجها وتشوهه لتنحيه تماماً، وتعزله عن أمور الأسرة؛ لتمسك هي الأسرة بقبضة من حديد، ولا تُهمس همسة إلا بإذنها.

وهكذا سقط المجتمع، فلا الأب أصبح أباً ولا الأم أضحت أماً، ولذلك أصبحنا نرى هذا الكم الهائل الضخم من السقوط الأخلاقي وانعدام الضمير والإنسانية؛ لأن نواة المجتمع تشوّهت، وأصبحت مسخاً.

الأسرة التي أضحت كل أفرادها أمام شاشات إلكترونية مسطحة وسطحية، الأب ها هنا يلهو مع هذه وتلك، والأم تقوم بالشكوى لصديقاتها ولا بأس ببعض النميمة وبعض الكذب والنفاق من المنشورات التي فحواها زوجي قرة عيني وهم لا تتلاقى أعينهم أصلاً، وهؤلاء الصغار المساكين إما متوحدون مع التلفاز أو مع إحدى الشاشات السطحية، يقومون بتدمير طفولتهم بالغرق في موقع اليوتيوب؛ ليشاهدوا المسلسل الإباحي الشهير المخصص للأطفال الذي غزا معظم أعين الصغار تقريباً.

بالله عليكم ماذا سينتج لنا مجتمع الأسرة فيه بهذا الشكل؟! أرجو من الله أن يغيثنا ويفيق أحبتنا من الآباء والأمهات؛ ليقوَموا أنفسهم وسلوكهم أولاً ويصلحوا ما بينهم، ليستطيعوا إنقاذ صغارهم، إنقاذ مستقبلنا الذي هو على شفا حفرة.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.