المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نهى ماضي Headshot

على أعتاب ال 40

تم النشر: تم التحديث:

تهيَّأت واستعددت لكتابة الفصل الجديد من روايتي بين السحاب، وإذ بصديق لي هاتفني، وطلب منّي أن نلتقي، ذهبت لملاقاته، فوجدته يخبرني بمطالعته لروايتي وبأنه مهتم بنشر روايتي.

كم أسعدني طلبه هذا، خصوصاً أنني كنت في حالة من الإحباط واليأس منقطعة النظير، فلقد استقلت من وظيفتي بناء على عرض عمل ممتاز في مركز لذوي الاحتياجات الخاصة، ونظراً لعشقي للعمل الإنساني وجدتني بلا تردد أقبل العرض بكل سعادة، والتي لم تدم كثيراً، فوجئت برفض نقل كفالتي بدون إبداء أسباب، وبناء عليه اضطررت إلى العودة إلى بلدي مصر.

لم أكن سعيدة بتلك النتيجة، وكانت تلك اللحظة التي تحولت فيها من امرأة عاملة مستقلة أعيش في بلد خليجي أحبه، وكوّنت فيه صداقات، وأسست فيه لحياة مستقرة، إلى امرأة على أعتاب الـ 40 لا أعمل، إضافة إلى أنني في حسابات المجتمع "عانس"، هكذا يلقبون الفتاة التي تعدت الـ30 بدون جواز في مجتمعنا المشوه، وأيضاً لا أملك ثروة تغنيني، تحول دراماتيكي كفيل أن يصيب أي شخص باكتئاب وإحباط.

حاولت أن أتقبل وضعي، وأن أتعايش معه، وظللت أذكر نفسي ليلاً ونهاراً أن الرزاق هو الله، وأن كل ما حدث نصيب ولعله خير، لم يؤرقني عدم الزواج فلقد مررت بتجارب جعلتني أوقن أنني لن أقبل بشريك يبتزني ويدمر نفسيتي بأنانيته وخيانته، وأن هذا النوع هو المتوفر حالياً إلى جانب تجارب صديقاتي التي انتهت معظمها بمحاكم وقضايا وخلافات مقيتة على إعانة الأبناء، ورغم عشقي للأطفال إلا أنني مؤمنة بأن إنجاب طفل في هذا العالم المليء بالكره هو أنانية لا أقبلها، مما جعلني أعتقد أن فارس أحلامي سيظل في أحلامي فقط، لكن فكرة عدم العمل أزعجتني بدرجة كبيرة، وما زالت تؤرقني.

أخبرني صديقي أن كل شيء مكتوب، ولكن نحن أيضاً من نكتب أقدارنا بأفعالنا، وأن علي أن أبحث عن مصدر سعادة لي بين تراكمات الخيبات، أعتقد أنني كنت في حاجة لأن أحفز بداخلي الشعور بالطموح لإنجاز شيء ما، وكانت فكرة نشر روايتي هو ذلك الهدف الذي حرك بداخلي الأمل وحفزني كي أنهيها بحماس وشوق لرؤية كتاب يحمل اسمي على غلافه ومقتطفات من حياتي وخبراتي بين سطوره، وبناء عليه قررت عدم نشر بقية الرواية؛ كي أستطيع إغراءكم بشرائها لمعرفة البقية منها.

على أحد البوستات الذي شاركته مع أصدقائي على صفحتي في الفيسبوك، قصة ملكة جمال برازيلية ظفرت بقلب رجل أعمال مصري غني وتزوجته، وقد كتب لها نصف ثروته، وأقام لها حفل زفاف بالملايين، كتبتُ أن الجمال يفتح الأبواب، فاجأتني إحدى الصديقات بتعليقها الذي قالت فيه: أنتِ أيضاً جميلة ولكن محلك سر، فكرت كثيراً في تلك الكلمة التي آلمتني ودفعتني إلى أن أفكر في حالي، هل أنا محلي سر؟!

لم أجد إجابة سهلة، ورغم حالة اليأس التي أعيشها، قررت أن أجيب عن السؤال بموضوعية، ووجدتني رغم خوفي من العجز والوحدة وفقدان الأحبة، فإنني لست كما قالت صديقتي، فلقد تمنيت أشياء كثيرة وحققتها، ثم فقدت بريقها في قلبي، واكتشفت أن نظرتي للحياة أصبحت مختلفة، لقد حققت الكثير من أمنياتي وعشت لحظات سعادة كثيرة، ولو رحلت الآن سأكون راضية عن حياتي التي عشتها بكل ما فيها من تجارب سواء ناجحة أو فاشلة؛ لذلك قررت عدم اختزال حياتي في إجابة لا تهم أحداً.

نظرت لنفسي في المرآة وأنا أدقق في تلك التجاعيد الدقيقة التي تزاحمت وتشعبت أسفل عيوني؛ لكي تخبرني رغم صغر عمر قلبي وروحي أنني على أعتاب الـ40، وسألت نفسي: هل ما زلت في ظمأ للدنيا؟ هل ما زال لدي أمل في البحث عن السعادة والحب وعن شريك الحياة؟ أم تبدلت تلك الأمنيات برغبة في الاستقرار المادي وكفى؟ وجدتني رغم إيماني بأن المال مهم جداً، وأنه يجعلنا نعيش تعاستنا بشكل أفضل، فأنا ما زلت أريد أن أنهل من الدنيا ومن لحظات السعادة، وأن أجد الحب الذي لطالما حلمت به، ففي السعي نفسه متعة.

تجربتي مع الموت وفقدان الأحبة جعلتني أُقّدر اللحظات العادية الجميلة، مثل صباح يوم الجمعة في بيت أمي، حينما نجتمع أنا وإخوتي وأبناؤهم على مائدة الإفطار المتراص عليها أقراص الطعمية الساخنة والباذنجان المقلي وشرائح الطماطم المتبلة بالثوم، والتي تعدها ست الحبايب، تلك اللحظة العادية جداً التي تشبع حاجتي من الدنيا.

كوب الشاي بالنعناع الذي يتبع الفطور، والذي نستمتع به أثناء استماعنا للشيخ وهو (ينشز) في المسجد أسفل منزلنا بصوته المؤذي، غنائي لنهى الصغيرة ورقصها المتقطع وقفزها مثل القرد حولنا ونحن نضحك من قلوبنا، حضن دافئ من تلك الصغيرة وهي تردد "بحبك"، حواراتنا الساخنة حول ما يحدث في البلد، ودعاؤنا على من كانوا السبب في خرابها، تلك اللحظات هي الأمتع، وهي التي تصبرني على بطالتي وعنوستي وشقائي الذي أستشعره عندما أختلي بوحدتي، لا أحد يقدر تلك اللحظات إلا بعد رحيل الأحبة، وقتها فقط يدركون أنها لحظات السعادة التي كانوا يبحثون عنها.

رغم أن وضعي لم يتغير بعد، فما زلت أبحث عن عمل، وما زلت أحلم بفارس يحتل قلبي، إلا أن نظرتي للحياة تغيرت كثيراً، ولعل ذلك هو الخير من ابتلائي.

أنصحكم جميعاً أن تستمتعوا باللحظات العادية جداً التي قد تبدو لكم ليست مهمة؛ لأنها هي لحظات السعادة الحقيقية التي ستتذكرونها وتتمنون لو دامت أكثر.
.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.