المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نهى ماضي Headshot

الموت بين جبال الهيمالايا

تم النشر: تم التحديث:

بعد عودتنا من بانكوك لم تبقَ أمي سوى أيام معدودة، بعد أن رحلتْ عاد لي شعور الوحدة بكل قسوة، وجودها كان بلسماً يداوي هذا الشعور، خاصة أنها كوّنت علاقات طيبة مع صديقاتي. وبالطبع، بعد رحيل والدتي، رجعت ريما لعادتها القديمة وعادت الوحدة تشاطرني ساعات يومي الطويلة!

طلبت مقابلة مدير الشركة، خاصة أن شعوري بالظلم بسبب إلغاء ترقيتي ازداد بعد رحيل أمي. بالفعل، تم تحديد موعد لي معه، تأنّقت وذهبت وأنا على يقين بأن ربنا سيُنصفني. استقبال المدير كان لطيفاً جداً واستمع لحديثي كاملاً، ودون أي سؤال رفع سماعة التليفون وطلب من ساليا الحضور لمكتبه. أعجبتني جداً فكرة المواجهة، لعله اعتقد أنني كاذبة أو أنني سأخاف من مواجهة مديري، إنه لا يعرفني جيداً، أنا شرسة جداً أحياناً، تماماً مثل القطط، لعلي كنت قطة في عالَم موازٍ.

حضر ساليا وبُهِتَ عندما رآني في مكتب مدير الشركة وخاصة أن الكل كان يخافه، لدرجة أن البعض كان يختبئ في الحمام عندما يعلم بوجوده في المبنى أو حتى الطائرة، كان شديداً في معاملته ولكني كنت على يقين بأنني أطالب بحقي، لم أكن أخشاه، بالعكس كنت أجده ظريفاً، يجوز لأني رأيته مرة واحدة في المصعد وكان يمازح إحدى الفتيات الثقيلات وزناً قائلاً: كنت أتساءل أين تذهب وجبات الدرجة الأولى والآن عرفت!

سأله عن سبب تنحيتي من ترقيتي، فتعلل ساليا بتأخري، قاطعته بحدة بأن هناك 3 فتيات أخريات تأخرن ولم تُلغَ ترقيتهن! نظر له المدير كأنه لا يعلم ذلك، فقال ساليا: "نعم، ولكن كان لديهن ظروف". وقاطعته ثانية: "حالتي نفسها!"، ثم وجهت كلامي للمدير قائلة وكانت والدتي معي: "لنستغل فرصة وجودي بالدوحة ولكن تم إعطائي رحلة بانكوك"، شرحت له رفْض ساليا مساعدتي في تغيير رحلتي أيضاً، قال المدير لساليا: "أعد لها ترقيتها وضعْها في دورة تدريب درجة رجال الأعمال التي ستبدأ غداً". شكرته ورحلت مبتسمة، كم هو جميل أن تدافع عن حقك وأن تناله!

قضيت 10 أيام تدريب على الخدمات الإضافية  ومعرفة أنواع جديدة من الأطباق والخمور أيضاً التي يتم تقديمها والتي تختلف تماماً عن الدرجة السياحية، وأيضاً كانت سبباً في عشقي أنواع الجبن المختلفة التي كنا نتدرب على تقديمها مع الفواكه المناسبة.

كنت أقضي الصباح في التدريب والمساء في الكورنيش مع "نجوى" المغربية، فتاة جميلة تتمتع بخفة وأخلاق راقية، مما جعلها الأقرب إلى قلبي، كما أننا نتشاطر حب تذوق الأكلات المختلفة معاً، حيث كانت تسكن في الطابق العلوي من سكننا، وكانت تتفنن في طبخ الأكلات المغربية التي أعشقها، منها طاجن اللحم بالبرقوق، الذي صممتُ أن أتعلمه منها، علمتني أيضاً صنْع الشاي المغربي وكيفية طبخ أكلة "البسطيلة" بالدجاج والتي أنصحكم جميعاً بتجربتها، من لذاذتها كنت بعد أن ننتهي من الأكل، أحمل معي البقية إلى منزلي لأنسفه نسفاً في وقت لاحق.

2016-12-01-1480612785-6721318-is.jpg

في آخر يوم تدريب، تم توزيع جدول رحلاتنا، تفقدت رحلاتي فوجدت أن أول رحلة لي إلى "كاتمندو" عاصمة نيبال، لم أعلم عنها شيئاً سوى "بريا" إحدى الفتيات في التدريب التي كانت من هناك وكانت فتاة شديدة اللطف والأدب، وجدتها معي في الرحلة نفسها، سعدت بذلك جداً، هي أيضاً سعدتْ بوجودي معها في الرحلة، لدرجة أنها قالت لي: "أعدّي نفسك؛ أنت معزومة عندي في منزلي"، سعدت جداً بدعوتها الرقيقة، أحمد الله على كمّ الأشخاص الذين أَغْنوا حياتي بذكريات مبهجة.

رغم خطورة هذه الرحلة والقصص التي سمعتُها عن صعوبة الهبوط بين الجبال،  لدرجة أن بعض شركات الطيران منعت رحلاتها إلى هناك نظراً لخطورتها، وأيضاً القصص المرعبة الأخرى المرتبطة بالفندق التي سمعتها من معظم الفتيات، رغم ذلك فإنني كنت متحمسة لزيارة نيبال، خاصة أن معي "بريا" الرقيقة.

في الصباح وبعد إجراءات الاستعداد المعتادة في الطائرة، طلب الكابتن التجمع في الدرجة الأولى للتعارف، كان الكابتن ومساعده من الجزائر، أتذكر سماحة وجه الكابتن ولم أنتبه كثيراً لمساعده؛ نظراً لأن الكابتن بدأ في سرد معلومات الرحلة وظل يؤكد أهمية الانتباه لجناح الطائرة بالخارج كإجراءات أمنية، وعندما علم أنها المرة الأولى لي لزيارة كاتمندو، عرض عليّ الجلوس في الكابينة وقت الهبوط وقبلت فوراً، إنها فرصتي للاستمتاع بمنظر السماء الخلاب وفرصة للهرب من ازدحام الركاب عند الهبوط ومحاولاتنا الفاشلة في حثهم على البقاء جالسين.

في تلك الرحلة، كانت الطائرة بأكملها درجة سياحية، مما يعني أننا لن نطبق ما تدربنا عليه، كنت سعيدة أيضاً بذلك، فلقد كانت خدمات درجة رجال الأعمال متعِبة، الركاب أيضاً مسالمون جداً، لا يزعجوننا بطلبات سخيفة، حتى الخمور لم يطلبها أحد، كم أحب تلك الرحلات الهادئة!
عند إضاءة إشارة ربط الأحزمة وبعد الانتهاء من تأمين الركاب، ذهبت للكابينة للجلوس خلف مقعد الكابتن. المنظر ساحر، جبال عملاقة عن اليمين واليسار مغطاة بطبقة من السحب، يا إلهي! إنها جبال الهيمالايا التي سمعت عنها في التلفاز.

بدأت السحب تتوارى وتظهر الأرض والطائرة تحاول أن تتوازن بين جبلين شاهقين، رأيت ممر الهبوط بين الجبلين صغيراً جداً ومخيفاً، بدأت في قراءة الشهادة وتملّكني الخوف، وازداد خوفي عند اقترابنا، حيث لاحظت أن ممر الهبوط ينتهي بمنحدر، فيما معناه أنه لو لم تهبط الطائرة وتتوقف في الوقت المفترض من الممكن أن نسقط بين الجبلين، وتنتهي حياتي مثل أي صخرة محطّمة بين الجبال.

2016-12-01-1480613413-674546-800pxEverest_North_Face_toward_Base_Camp_Tibet_Luca_Galuzzi_2006_edit_1.jpg

ظللت أردد الشهادة في سري إلى أن شاطرني الكابتن ترديد الشهادة، ارتعبت أكثر وحاولت أن أشتت انتباهي، فنظرت لمساعد الكابتن والذي بدا بارداً جداً، نظر إلي وغمز بعينه، فانزعجت جداً، أدرت رأسي للنافذة مرددةً كل السور القرآنية التي أحفظها وانشغلت بتسميع سورة "الملك" التي كنت حفظتها مؤخراً، سعدت بأنني حفظتها وقرأتها دون أخطاء، عندها لامست العجلات الأرض، ثم بدأت تهدئ سرعتها معلنةً عن الوصول بحمد الله.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.