المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نهى ماضي Headshot

بين السحاب "19"| الهند أُم العجائب

تم النشر: تم التحديث:

الهند كانت من الدول التي تمنيت في يوم ما زيارتها, وكنت سعيدة بوجودي في تريفاندروم، عاصمة كيرلا، المدينة الأكبر في الهند، ورغم أن أول ليلة لي هناك لم تكُن كما وددت، لكني عاهدت نفسي أن أستمتع بما بقي لي من وقت هناك, وبما أن " تريفاندروم" بلد ساحلية، إذن لا بد من زيارة الشاطئ والتجول في الطرقات والتلصص المشروع على أهل تلك البلدة، والتي تقع في جنوب الهند، سمّاها المهاتما غاندي باسم "المدينة الهندية الخضراء"، وقررت أن أرتوي من خضارها وساحلها وجمالها.


الفندق يقع على هضبة، مما جعل من الصعب النزول مشياً، لذلك استأجرت "توك توك"، وكانت تلك المرة الأولى التي أرى تلك الوسيلة للمواصلات، وجدته عمليا ً وسريعاً، ولكن المطبات كانت عذاباً، تجد رأسك يلتصق بسقف التوك توك، ثم تسقط بمؤخرتك بقوة على ذلك الكرسي الحديدي، يا لها من معاناة! أعتقد أنه كان من وسائل التعذيب سابقاً.

2016-10-28-1477692460-2182378-rickshawtuctuctrivandrumindiamotionblurmovingkeralab9mxf8.jpg

على الشاطئ بدأت أتلمس خطواتي، وأنا مستمتعة بمنظر البحر، فأنا معتادة على قول بحر، وليس "محيط", كانت الأمواج عالية، رغم أنني كنت أتصبب عرقاً من شدة الحر والرطوبة الفظيعة.

رأيت تجمعاً للناس على الشاطئ، وطبعاً الفضول دفعني إلى أن أقترب، وجدتهم يودعون بعضهم البعض، لم أفهم بعد ماذا يحدث, إلى أن وجدت الرجال يتجهون لحمل مراكب خشبية رفيعة تشبه قوارب التجديف، ويسحبونها لداخل المياه ويركبونها مجدفين، بكاء طفل صغير بجانبي لفت انتباهي، وجدته وأمه في حالة حزن، قررت أن أقوم بما أجيده.

2016-10-28-1477692400-5394066-is4.jpg

سألتها عن سبب حزنها وبكاء طفلها، قالت لي بإنكليزية سليمة مثل الكثير من أهل البلدة: إن زوجها صياد، وإنه ذاهب للصيد وقد يستمر لأيام، فحاولت مواساتها، ولكنها استشعرت أنني لم أفهم جيداً، فقالت لي: إن هذا الوقت من السنة ترتفع فيه الأمواج، وتكون خطرة جداً، ومن الممكن أن يغرق.. لكن للأسف لا يوجد مصدر رزق آخر.. تفهمت حزنها وحزن الكثيرات وهن يلوحن بأيديهن لأحبائهن، وقلوبهن ساجدة تدعو لهم بالعودة سالمين.


على عربة خشب صغيرة مرصوص ثمرات جوز الهند، كانت المرة الأولى التي أتذوق فيها ماء جوز الهند, تمشيت على طول الشاطئ، وأنا أحتسي العصير الذي ما إن انتهيت منه حتى بدأت ألتهم قطع جوز الهند من الداخل، وكانت لذيذة لدرجة أني عدت مرة أخرى وابتعت ثمرة أخرى.

2016-10-28-1477692571-6214660-is2.jpg


على الشاطئ لا يوجد كراسي ولا شماسي، التعامل مع المكان مختلف؛ حيث يفترش الناس ملاءات وحصائر من الخوص، وكان عدد الأجانب كبيراً جداً، بالطبع فهم يبحثون عن مكان رخيص، ولا يوجد أرخص من كيرلا وعاصمتها تريفاندروم، ما لفت نظري هو وجود تلك الفتيات الشقراوات في أحضان الهنود، كما لو كان حجز الإجازة يشمل علاقة عابرة مع هندي "باكيدج", والمدهش أن الحشيش يباع بدون أي مشاكل، وجدت شاباً يحمل أكياساً وكأنها أكياس حنة، التف حوله الكثير من الأجانب والقليل من الهنود، كنت ممن التف حوله، رفع الكيس وأعطاني إياه طالباً مني 30 روبية.


4 ساعات من السير قضيتها على الشاطئ؛ حيث كانت أغنية سعاد حسني "في الهند أم العجايب" تتردد في أذني، وأنا مستمتعة باختلاق أحاديث مع البعض, الذين كانوا مرحبين باستحياء، كما استمتعت بالتهام العديد من ثمرات جوز الهند التي أدمنتها، لم أجد الناس بنفس جمال نجمات ونجوم بوليوود، ولكني لمست جمال أرواحهن.

كان الجوع تمكّن مني، وأنا في طريق عودتي قابلت مساعد الطيار والطيار جالسين على أحد المقاهي الخشبية الصغيرة، كل المقاهي هناك صغيرة وبسيطة جداً، نصحني الكابتن بأن أتناول غدائي في تلك المقهى؛ حيث إنهم يقدمون أسماكاً طازجة، بالفعل طلبنا الغداء واستمتعت بأشهى وجبة سمك طازج مطبوخ بخلطة بهارات رائعة المذاق، طلبت من النادل أن يطلعني على طريقة عمل الجمبري، قال لي إن سر الطعم في البهارات، وقررت شراء البهارات معي، وأن أبدع في الطبخ عند عودتي.. لطالما أحببت أن أطبخ ما يعجبني من أطباق متنوعة حول العالم.

2016-10-28-1477692628-9440894-is3.jpg

نكهة الهند قوية؛ حيث تمتزج فيها ثمار الفاكهة المتنوعة والبهارات القوية، في طريق عودتنا لمحت صالوناً للنساء صغيراً على مقربة من الفندق، جاء ببالي شكل تلك الفتيات الهنديات بشعورهن، وقررت أن أجرب حمام الزيت، وما إن دلفت الصالون حتى وجدتني في معبد صغير، تماثيل مقدسة في كل مكان، وبخور رائحته طيبة جداً، عكس رائحة الشارع، وسيدة هندية كبيرة في السن حيَّتني قائلة "نماستي"، ومالت برأسها بكل أدب، أحببت طريقة ترحيبها تلك، طلبت منها عمل حمام زيت، في خلال ثوانٍ كنت مستلقية على سرير وعلى رأسي زيت جوز الهند، وهي تدلكه حتى شعرت بالنعاس, ثم أحضرت خلطة فواكه طازجة وضعتها على وجهي، بعد أن قامت بتنظيفه بفوطة ساخنة، لم أطلب منها ذلك، ولكنها قالت لي حتى أعود مرة أخرى، محاولة لاستقطاب الزبائن وقد نجحت.

بدأت تحكي لي عن ابنها الوحيد الذي يدرس الطيران في أميركا، وأنها جمعت مبلغاً كبيرً منذ ولادته كي تساعده في الالتحاق بمعهد للطيران، وأنها رغم كبر سنها فإنها مضطرة للعمل حتى تؤمّن له مصاريف الدراسة، استمتعت بحديثها، ذكرتني بأمي، بعد أن انتهينا قدمت لي الشاي الأخضر وطبقاً من البطيخ الطازج، كنت في حالة من الاسترخاء والراحة، مما جعلني أطلب منها تقليم أظافري أيضاً، حتى أستمتع بحديثها، وأسهم في مصاريف ابنها.

انتهى يومي القصير بتلك الجلسة الممتعة مع هذه السيدة وتحت أناملها الرقيقة، وكانت هي ملاذي في كل مرة أزور فيها تريفاندروم، حملت معي من الشموع الكثير حتى أستطيع البقاء في الغرفة وأستعد لانقطاع النور ولزوار الليل.

انتهت الليلة بأمان وانطلقنا عائدين للدوحة، في رحلة العودة لاحظت نظرات حزينة في عيون الناس، أعلمها جيداً، فلقد رأيتها في مرآتي كثيراً، كانت رحلة قصيرة وغير متعبة, فلقد انشغل الركاب بهمومهم التي عظمت في صدورهم، إنها الغربة والفرقة والوحدة وما تفعله بالروح، عند عودتي للمنزل اتصلت بأمي؛ كي تطمئن روحي.

(يُتبع)

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.