المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نهى ماضي Headshot

بين السحاب"13" | وتركت لندن

تم النشر: تم التحديث:

زيارتي القصيرة لإنجلترا العظمى لم تكن كافية، كنتُ وما زلتُ في حالة شوق لمعرفة المزيد و زيارة ما سمعت و ما لم أسمع عنه من متاحف ومسارح، أيضاً وددت لو تمكنت من زيارة متاجر "هارودز" الذي كان يمتلكها رجل الأعمال المصري محمد الفايد الذي لهث كثيراً للحصول على جنسية تلك البلدة وأبت ملكتها تنفيذ رغبته، قدم الكثير ولم يجنِ الشيء الوحيد الذي طلبه.. هكذا هي الدنيا نسعى ونسعى جاهدين للحصول على شيء واحد نعتقد أنه سيمنحنا ترياق السعادة الأبدية ثم نجد أنفسنا أفنينا عمرنا في البحث دون جدوى.

في الطائرة كنا بانتظار الركاب الذين ما إن دلفوا للداخل حتى بدأت طلباتهم المستفزة، أذكر أكثر طلب مستفز جاءني من هذا الهندي البريطاني عندما سألني عن الحمام الخاص بالبريطانيين، أتذكر أيضاً ردة فعلي التي أثارت حنقه، لم أتمالك نفسي ضحكت بشدة وقلت له آسفة إن هذا النوع من البشر لم يصمم لهم حمامات بعد.

امتلأت الطائرة وامتلأت أنفسنا بالضيق، تمنيت لو انتهت الرحلة في تلك اللحظة، تمنيت لو أني أحمل ريموت كنترول كما كان يحمله البطل في فيلم "كليك" حيث كان باستطاعته بضغطة زر إنهاء معاناته والانتقال لمكان آخر مع أُناس آخرين، يا لها من فكرة عبقرية، أعتقد صاحب تلك الفكرة كان يعمل بالضيافة مثلي.

حلقت الطائرة وعانقت السحب، بقيت جالسة في مقعدي حتى بعد إنطفاء إشارة ربط الأحزمة، كنت أسرق بعض الوقت لتهدئة نفسي قبل الانخراط في تقديم الخدمات الثقيلة على نفسي والكثيرة من الركاب، بدأنا بتوزيع وجبة الفطور، أشار لي أحد الركاب بامتناعه عن تناول الفطور، لم أكن مهتمة كثيراً ولكن قررت أن أسأله عن السبب، قال لي إنه طلب وجبه خاصة حيث إنه لا يأكل سوى الفواكه والخضار، نظرت لصحن البيض والسجق ثم ابتسمت له تاركة معه الصينيه وبها كوب عصير وطبق فاكهة صغير، ابتسم لي بمودة راقت لي.

جلست مع الفتيات وانضم إلينا محمد الذي أمطرني بوابل من النكات التي جعلتني أضحك من قلبي، كانت هذه الدقائق هي الحسنة الوحيدة في الرحلة، اشتكيت لمحمد من آلام قدمي وظهري من دفع عربة الطعام ومن الذهاب هنا وهناك، قال لي عادة رحلة لندن بركابها تكن متعبة، هل هي عنصرية أن نصف ركاب دولة ما بأنهم مزعجين أو متعبين! بعد رحلات عدة اكتشفت أن كل الركاب متعبين إلا من رحم ربي، يعتقدون أنهم بثمن التذكرة امتلكوا الطائرة بطاقمها.
2016-08-13-1471047217-5255164-14012705_10210078070778149_1167988943_o.jpg

عند عودتي للمطبخ وجدت الراكب الذي يأكل الفاكهة فقط، كان يبحث عني، سعدت بأنه جاء يشكرني على تقديمي طبق فاكهة إضافي له، كان منمقاً في حديثة وراقياً في أسلوبه، جلس بجواري وعرفني بنفسه
"أنا محمد من باكستان، أعمل مهندس كمبيوتر، و صار لي أكثر من عقد من الزمن في بريطانيا"
واستطرد قائلاً إنه في طريقه لباكستان لحضور زفاف أخته التي لم يرها منذ أن سافر، يا إلهي، ما هذه العلاقة القائمة على مكالمات عبر الهاتف والإنترنت، قرأ أفكاري وبدأ يحدثني عن صعوبة الحياة في باكستان وعن اضطراره للهجرة وعن محاولاته المتعددة لإحضار والدته وأخته ولكن أبت محاولاته بالفشل، و نظراً لحاجته المادية لم يستطع زيارتهما منذ أن سافر..

مؤلمة ومحزنة تلك الغربة التي تفصلك عمن ينتمي لهم قلبك وينشغل عنهم عقلك.

كالعادة سبقتني دموعي قبل كلماتي، خشيت أن تصير تجربتي بتلك المرارة، تمنيت له أن يستمتع بزيارته وأن يتمم الله لأخته بزفاف مبارك، أصر على أن يعرف صندوق البريد الخاص بي كي يراسلني أعطيته له رغم أني كنت على ثقة بأن اهتمامه زائف أو محاولة كي يشعرني بامتنانه لي.

لم أكن أعلم انني وبعد 3 أسابيع سأجد في صندوق بريدي رسالة وصورة منه، يشكرني فيها على استماعي له واصفاً لي مدى سعادته بلقاء أحبته، سعدت كثيراً بصدق اهتمامه، خاصة أنه في عالمنا هذا الصادقون فئة نادرة جداً نجدهم في أحلامنا أو في كلمات سطرت قصصاً خيالية، لم يكتفِ بذلك، فلقد وجدت رسالة شكر من الإدارة على حسن أدائي الذي ظهر في رسالة شكر من أحد ركاب نفس الرحلة، علمت أنه هو وأنه كان في حاجة ماسة لأن يسمعه أحد ويشاطره حزنه وسعادته، كم نحن غلابة.

بدأت الطائرة في الهبوط وبدأت عيوني في الانطفاء، كنت متعبة جداً، لم أكن أعلم أن العمل بالطائرة منهك لهذا الحد، لطالما شاهدت المضيفات متأنقات منتعشات وهن يؤدين خدماتهن، هأنا أبدو كأنني انتهيت من معركة طاحنة.

في طريقي للمنزل بدأت أردد أغنية لا أعلم حتى من هو منشدها وظللت أرددها حتى وصلت لسريري
وارتميت في أحضانه وودعت يومي بتلك الأغنية والتي تقول كلماتها:

"يا حبيبي تعالى الحقني شوف اللي جرالي"

يُتبع

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.