المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نهى ماضي Headshot

بين السحاب "18"| أنا شربت حشيش يا سعاد

تم النشر: تم التحديث:

في الصباح، وبعد أن استمتعت بنوم عميق دون منغصات ولا كوابيس، أفقت على صوت حركة في صالة الشقة، وجدت "ماري أرمسترونغ" جالسة في غرفة المعيشة وإلى جوارها فتاة جميلة، عرفتني عليها ماري قائلة: "مارغريتا "من روسيا، رفيقة سكنك الجديدة يا عزيزتي، بدت لي "مارغو" فتاة جميلة نعومة، مدت يدها لترحب بي في حين أن عينيها تظهران قلقاً شديداً مني، ولا أعلم ماذا أخبرتها ماري عني، ولكني أشفقت عليها، علمت منها أنها كانت تعمل بالسيرك الروسي كمنسقة.

سألتها عن سبب رغبتها في العمل بدولة عربية، قالت لي إنها تبحث عن رجل يتزوجها ويحمل عنها أعباء الحياة؛ لأن الرجال في روسيا جميعهم يريدون أن يتمتعوا بالفتاة ثم يتركوها في منتصف الطرق، قلت لها إنهم لا يختلفون عن كثير من الذكور في الدول العربية، فكثير منهم يرون أمثالها عاهرة مستباحة يستغلونها عاطفياً ومادياً وتظل في نظرهم عاهرة، رغم أن العهر يتمثل فيهم وفي أخلاقهم وضمائرهم الميتة.

أصبحنا أصدقاء في خلال أيام قليلة، كانت ترافقني في كل مكان، إنها الوحدة التي تفرض علينا الالتصاق بمن يشعرنا بالألفة، كنت أصطحبها معي لمقهى الإنترنت، علمتها كيفية إنشاء حساب لها على "الهوت ميل"، كما علمتني "حفصة" سابقاً، ولكنها آثرت أن تجلس بجواري، وأن تتحدث مع أهلي، كنت أطهو الطعام الطازج وأتخلص من البقايا، خصوصا أنني من الصعب أن أتناول طعاماً بائتاً أو بقايا، ولكن مارغو كانت خبيرة في صنع أطباق لذيذة من تلك البقايا.

في أحد الأيام وجدت مارغو تدلف المنزل ومعها شاب عربي، وقالت لي إنها تنتوي الزواج منه، وإن من حقها استقباله في المنزل، بالفعل هو حقها، ولكن أين حقي أنا في الشعور بالراحة في منزلي، ولكن كما توقعت خلال أيام اكتشفت أنه ليس إلا عاهراً آخر!

عدت من إحدى الرحلات في وقت متأخر، لم أجد مارغو، فقررت أن أشاهد فيلم رعب في المنزل، فتحت البراد باحثة عن عصير فوجدت زجاجة مياه بداخلها مشروب يشبه القهوة بالحليب، تذوقته فوجدته لذيذاً، ولقد اعتدت أنا ومارغو مشاركة الطعام والشراب؛ لذا لم أتردد في صب كوب منه، عند عودة مارغو سألتني عن القهوة، فقلت لها إنني شربت منها، فوجئت بها تعتذر لي بشدة، وفاجأتني بان ما شربته ليس بقهوة، لكنه مشروب يسمى بيليز، ويحتوي على نسبة قليلة من الكحول، وبما أنه ممنوع شرب الخمور داخل السكن، فتحايلت مارغو بوضع ذلك المشروب في زجاجة مياه للتمويه.. تذكرت وقتها عادل إمام في فيلم "كراكون في الشارع" عندما قال: "أنا شربت حشيش يا سعاد".


طلبت منها عدم إحضار خمور للسكن، رضخت لطلبي، خاصة بعد تعنيفي لها، وتوضيح عدم قدرتي على الصلاة في مكان به خمور.

من عشرتي معها اكتشفت أن الروسيات والرومانيات يتمتعن بحس فكاهة كبير، فكنت أستمتع بصحبتهن، إلى جانب تشابُه العادات بيننا، على سبيل المثال، عندما صنعت قالباً من الكريم كاراميل وأهديته لجارتي الرومانية "ألكس"، أعادت لي الطبق وفيه قطع كيك، أيضاً عندما قررت طهي العشاء لصديقاتي الرومانيات، جئن حاملات معهن أطباقاً من الحلوى والفاكهة.. قد يكون أيضاً تقارب أرواح.

بعد يومين من الراحة كنت في الطائرة أستعد لرحلتي إلى تريفاندروم بالهند، كانت أول زيارة لي، لم أحمل معي الكثير، فلقد علمت أنها بلدة صغيرة تقع على المحيط الهندي، وأن إقامتنا هناك لن تتعدى يومين، اجتمع بنا الكابتن ومساعده للتعارف ولتزويدنا بمعلومات عن الرحلة وساعات الطيران.

بعد الإقلاع أصبت بصداع شديد من كثرة طلبات الركاب للخمور، كنت اتفقت سابقاً مع زميلتي الكورية "شي" بأن تقدم هي الخمور وأقدم أنا الوجبات, وافقت بكل أدب، الفتيات الكوريات يتمتعن بالرقة والأدب الذي يفتقده كثير.

الطائرة أصبحت معبأة برائحة الخمر الخانقة، وأصبح كثير من الركاب في حالة سكر، مما دفعنا جميعاً للتوقف عن تقديم أي مشروبات لهم، تساءلت: لماذا هذا الحب للخمور؟! كنت أعتقد أن المسلمين الذين يشربون الخمر يكون بدافع الممنوع مرغوب، ولكن هؤلاء الركاب لا يمنعهم دينهم ولا معتقداتهم عن شرب الخمر، ويتجرعون منه الكثير والكثير، ما هو هذا الشيء الذي يدفعهم لحب الخمور بهذه الطريقة؟!

انتهت رحلتنا أخيراً بعد معاناة من طلبات السكارى؛ حيث أقلتنا السيارة للفندق، الذي يقع على هضبة عالية تطل على المحيط، يا له من منظر رائع! كانت الساعة الثامنة مساء، اتفقنا على التجمع للعشاء بعد ساعتين، ولكني كنت تعبة جداً فتكاسلت عن النهوض في الموعد المحدد ويا ليتني نهضت.

في تمام الساعة الـ3 صباحاً، فزعت على صوت ارتطام شديد، فتحت عينيّ ولم أستطِع رؤية شيء، حركت يدي ولكن الظلام كان حالكاً، للأسف أنا أعاني من فوبيا الظلام والأماكن المغلقة، هرعت من داخل الغرفة بعد أن تخبطت بكثير من الأشياء، حتى وصلت للردهة التي يخترقها شعاع ضوء بسيط، كنت أرتعد خوفاً، أصوات الارتطام تتوالى ولا أعلم مصدرها, هرولت إلى مصدر الضوء وجدت نفسي في ردهة الاستقبال، وفيها موظف جالس، ما إن رآني حتى انتفض، لعله خُيل له أنني شبح.

اقترب مني منادياً زميله، كنت أرتعد وقلبي يخفق بشدة وصوتي مبحوح من الخوف، أحضر لي كأساً من المياه، وقال لي إن الكهرباء قطعت في الفندق، وإن ذلك شيء اعتيادي، هدأت قليلاً وسألته عن أصوات الارتطام التي ما زلت أسمعها، علمت منه أن الفندق يقع على هضبة، وأن موجات المحيط تتدافع وترتطم بالصخور أسفل الفندق، مما يصدر عنها تلك الأصوات.

كانت ليلة ليلاء، قررت البقاء في الردهة إلى أن يبزغ النهار حتى أستطيع العودة لغرفتي، وما إن اخترقت أشعة الشمس نوافذ الفندق حتى اطمأننت، وذهبت مسرعة لغرفتي قبل أن يتوافد زوار الفندق لساحة الاستقبال ويروني هكذا بالبيجاما.
"يُتبع".

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.