المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نهى ماضي Headshot

بين السحاب "9" | إنها لعنة الحب!

تم النشر: تم التحديث:

بعد هبوط الطائرة، فُتحت الأبواب كما لو أنها كانت أبواب النجاة، سارع الركاب إلى مغادرة الطائرة، منهم من تمنى السلامة لنا ومنهم من أمطرنا بجمل كراهية تصبُّ معظمها على قائد الطائرة ، اتهموه بالإهمال، ومنهم من استطرد في شكر الرحمن على نجاته من موت محتمل، لكننا نحمل جميعاً ذلك الإحساس المرعب من مدى قرب الموت لنا ومدى ضعفنا مهما تظاهرنا بالقوة.

بعد أن تم فحصي وتقديم الإسعافات الأولية للحرق في يدي، أخبرني الطبيب بعدم قدرتي على العمل في طريق العودة، سعدت بذلك فقد كنت في وهن شديد.

جلست بجوار آمال في حضور بقية الطاقم، حيث شرح الكابتن لنا أسباب الهبوط المفاجئ للطائرة، وأنه كان يحاول تفادي المطبات التي فاجأتنا، اعتذر مراراً وتكراراً، ثم أخبرني أنه سيكتب تقريراً مفصّلاً وسيرفق معه روشتة الطبيب الذي أوصى بإعطائي يومين راحة مع استشارة طبيب جلدية.

بدأ الجميع في الاستعداد للعودة وجلست أنا في كابينة القيادة حتى ينتهي الركاب من الدخول، وكانت الفكرة المسيطرة عليّ هي (أنني غير محظوظة)، وبدأ عقلي يجتر ذكرياتي المؤلمة المختزنة في ذاكرتي.

جميعنا قادرون على تحويل حياتنا إلى مأساة والعكس أيضاً إذا انتوينا ذلك، تلك القدرة التي كتب عنها الكثيرون من أطباء النفس والأبحاث التي تتحدث عن طرق ترويض النفس على تقبل الحياة والتحكم في الأفكار لتحويل كل طاقاتنا السلبية لإيجابية مما يحث العقل على الشعور بالسعادة، نفس فكرة كتاب "The Secret" للكاتبة روندا بايرون.

خلال استرجاع شريط أحزاني قدم لي الكابتن طبق مكسرات راجياً مني أن أسامحه، كم كان رجلاً كريماً، قال لي رُغم أنك تعرضتِ لتجربة صعبة في أول رحلة لكن هكذا الحياة تبدو صعبة لكنها أسهل مما نتخيل، أليس ممتعاً أن تجلسي معنا وتشاهدي جمال الكون.. كانت كلماته مريحة لي وكأنني وضعت بعض من البلسم على بشرة جافة فبدأت تلين، كنت في حاجة لأن تلين روحي لجمال الحياة وتهرب من قسوتها.

بدأت الطائرة في الإقلاع وتحللت أنا من طاقتي السلبية وأحزاني وقررت أن أنعم بتلك اللحظات الجميلة، استحضرت أغنية من أغنياتي المفضلة التي تبعث على السعادة، "طاير يا هوى" للمبدع محمد رشدي، دندنت الأغنية وأنا أنظر لتلك البقعة الخضراء الرائعة الصامدة بجبالها التي تحتضنها وكأنها تحميها من الهروب، سمعت صوت مساعد الطيار يدندن معي، انضم لنا الكابتن وتظاهر بالغناء معنا رُغم أنه لا يتحدث العربية لكنه أراد مشاطرتنا تلك اللحظة النقية بجمالها، تلك اللحظات التي تخفف عنا ملل الحياة.

في طريق العودة لم يكن معنا ركاب في درجة رجال الأعمال، حيث كانت الطائرة صغيرة منقسمة لدرجتين السياحية ورجال الأعمال، جلست أنا وآمال نستمتع بعصير البرتقال الفريش ونتجاذب الحديث، شعرت بالألفة تجاهها، كانت تحمل تلك الابتسامة الجميلة على وجهها طيلة الوقت، أؤمن بأن الابتسامة الحقيقية هي مفتاح لكل القلوب، هي إشراقة روح وإطلالة نفس وبلسم للألم ودواء الحزن، للابتسامة سحر خلاب يستميل القلوب، وقلبي دائماً معلق بكل ما هو جميل، كانت آمال جميلة الروح والنفس، بدأت أتحدث معها عن المغرب وعن صديقتي حفصة وعن عشقي للشاي المغربي.

لمست مسحة حزن في عيونها رُغم محاولاتها المستميتة في إخفائها، سألتها مباشرة عن سبب تلك الحزن المستتر، فأنا لا أُجيد فن التحوير، لطالما كنت مباشرة وأعشق الوضوح، أجابتني باستسلام "إنه الحب".

كيف يكون الحب سبب الحزن. أليس الحب ترياق السعادة! كنت وقتها ساذجة في فهمي للحب وللحياة وللناس، علمت منها أنها بسبب الحب أضاعت 5 سنوات من عمرها في انتظار المحبوب أن يُتوج حبه لها أمام العالم أجمع، لطالما حَلمت بذلك اليوم ولكن للأسف لم يكن المحبوب سوى شبه إنسان استباح قلبها وسرق منها شبابها وحبها للحياة، هزم قلبها وتملكه وأصبح هو سيدها وأبى أن يتوجها ملكته.

"الحب الحقيقي لا يطفئه حرمان.. ولا يقتله فراق.. ولا تقضي عليه أية محاولة للهرب منه.. لأن الطرف لآخر يظل شاخصاً في الوجدان". - مصطفى محمود.

حدثتني آمال عن محاولاتها في الخلاص من حبها الذي انتهك قلبها لكنها غير قادرة على تحمل آلام الفراق. تقرر البعد ولكن تعود مثل الطائر الذي يعود للقفص وهو يعلم أنه سجين ذلك القفص. تعجبت كثيراً من ذلك الرجل الذي انتهك جمال روحها وصنع جرحاً عميقاً بقلبها وتركها تصارع الحياة للبقاء، هل يُعد بشراً مثلنا؟ كيف يهنأ بحياته وقد انتهك قلب وروح فتاة بريئة حالمة مع سبق الإصرار؟!

كثير من قصص الحب تنتهي بقتل براءة وحلم المحب ليتحول إلى وحش كاسر يحطم قلوب مريديه بكل قسوة،
إنها "لعنة الحب".

"قد نضيق بالحبّ إذا وُجد، ولكن شَدَّ ما نفتقده إذا ذهب". نجيب محفوظ.

لم أجد كلمات تواسيها، وأي كلمات تلك التي تواسي قلباً مكسوراً جريحاً، لكن دموعي كانت أقرب لها من كلماتي، تلك الدموع التي تشاطرني لحظات فرحي وحزني، ألمي وبهجتي، تلك الدموع التي لا تتوانى في إحراجي ولا أقوى على منعها من احتلال وجنتي في أي لحظة شاءت.

بعد إعلان الاستعداد للهبوط، بدأ زملائي في تجهيز الطائرة والركاب للهبوط بسلام وجلست أنا في كابينة القيادة، لكن في تلك اللحظة كنت أشعر بغصّة وخوف، ماذا لو كنت مكانها؟ هل سأتحمل ذلك الجُرح في قلبي؟

حملتُ تساؤلاتي ومخاوفي وغادرتُ الطائرة مع زملائي متجهين للمبنى الفني، وهناك تناسيت جُرح آمال بعد أن قبلتها متمنية أن أراها ثانية وبقي معي جرح يدي الذي كان سبباً في بقائي يومين دون عمل.

يُتبع

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.