المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نهى ماضي Headshot

بين السحاب "6" | هل تتقنون قواعد اللعبة؟!

تم النشر: تم التحديث:

"عليك أن تتعلم قواعد اللعبة أولاً، ثم عليك أن تتعلم كيف تلعب أفضل من الآخرين." (أينشتاين).

أتساءل دائماً هل تعلمت قواعد اللعبة، هل ما مررت به من تجارب ساعدتني أن أكتسب مهارة الاحتراف في ملعب الحياة أم أنني في حاجة لعمرٍ آخر كي أتعلم، ودائماً الإجابة أنه حتى لو عشت عمرين سأظل لا أتقن تلك المهارة، ولكن لدي من المعرفة ما يبقيني راضية عن نفسي.

التعامل مع البشر قد يبدو سهلاً جداً مثل سهولة جريان الماء من على مرتفع، ولكنه في الواقع صعب جداً مثل صعوبة البقاء في ماء شديد البرودة لفترة طويلة، قد تجد نفسك في انسجام حقيقي مع شخص ما، ويهيأ لك أنكما متشابهان في أفكاركما ومبادئكما إلى أن يحدث ما لا تتوقعه وتكتشف شخصية أخرى كنت تغفلها، وقتها فقط تدرك أنك لا تتقن قواعد اللعبة.

يقول توفيق الحكيم: "المصلحة الشخصية هي دائماً الصخرة التي تتحطم عليها أقوى المبادئ".

لم أواجه رفيقة السكن التي سرقتني، قررت أن أعطيها فرصة أو يجوز لأني لأول مرة أقع في موقف كهذا فآثرت تجاهله، لم أكن أعلم أن من يجرؤ على السرقة يجرؤ على فعل ما هو أسوأ.. عدم الخبرة يجعلنا نُخطئ في حق أنفسنا أحياناً.

استعددت للرحلة الثانية والأخيرة في جدول التدريب، تلك الرحلات مهمة جداً للتطبيق العملي، فما علينا سوى الملاحظة وتدوين ملاحظات للاستفسار عما لا نعلمه، كانت وجهتي لمدينة بيشاور الباكستانية، كنت أتطلع للذهاب لمكان مختلف، ولكن هكذا شاء مدربنا.

مشرف الرحلة "لوك" من باكستان، بدا لطيفاً، ولكن لم أشعر بالراحة تجاهه، كان يضع وجه "الجوكر" حيث لا تستطيع قراءة روحه.. خلال الرحلة وجدت منه أسلوباً غليظاً، استغل عدم خبرتي وأرغمني على القيام بمهمات ليست من واجباتي، متعمداً اضطهادي ووضعي تحت ضغط نفسي شديد، لم يثُقل على أحد غيري كنت أنا المستضعفة، كم أكره هذا الشعور.

عند عودتي بكيت بمرارة وقررت ألا أسمح لأحد أن يضعني تحت ضغط يقتل فيه روحي مرة أخرى، كنت محتارة هل المواجهة هي الحل أم الهروب بعيداً عن تلك الأنفس المريضة في محاولة للحفاظ على نقاء أرواحنا! ولكن هل سنهرب عند كل محنة نصادفها؟!

"العالم مكان خطر للعيش فيه ليس لوجود الأشرار، بل لأن الآخرين لا يفعلون شيئاً حول ذلك" توفيق الحكيم.

لن أترك الآخرين يمارسون أمراضهم النفسية بحرية.. تقدمت بشكوى ضد "لوك"، شعرت بالسعادة والفخر حين دعاني مدير قسم الإدارة لمكتبه ووجدت هناك "لوك" منكسراً، يعتذر لي عما بدر منه، وكأنه عصفور مسكين لا يقوى على حمل جناحه، إنه فن التمثيل الذي يتقنه الكثيرون، لم أقبل اعتذاره ولم أستطِع حتى أن أتظاهر بذلك، لا أملك تلك الموهبة التي مكنّت الكثير من الوصول لأهدافهم.

كلما نظرتُ حولي وجدتُ الكثير من الفشل المتوج بنجاح ظاهري، أعتقد السبب هو الأنفس المريضة التي آثرت أن تمثل السعادة بدلاً من أن تعيشها، مثل زيجات كثيرة بائسة حتى النخاع، بدأت بصفقة وانتهت بخيبة واستمرارية للبؤس المبرر، أصبحت إجادة التمثيل فناً يُجنّبك مواقف صعبة مثل اتخاذ قرارت مصيرية وإنهاء علاقات بائسة خوفاً من البقاء وحيداً، ومن أن تظهر فاشلاً أمام الآخرين، أعتقد سبب عنوستي ووحدتي هو عدم قدرتي على التصنع أو على التنازل، لم أتعلم الانحناء عند مرور العاصفة رُغم أنه من الذكاء تفاديها، ولكني من الأغبياء الذين يسعون للحب الصادق والسعادة الحقيقية والأرواح النقية ومواجهة العاصفة.

انتقلت حفصة للسكن مع فتيات مغربيات من بلدتها بعد مشاكل عدة مع رفيقتنا السارقة، ولكن صداقتنا صمدت، فلم يمر يوم من دون أن ألقاها ونتحدث في كل شيء وأي شيء... وبعدها بفترة قصيرة رحلت تلك السارقة حاملة معها أمراضها لتمارسها على مثيلاتها، حمدت الله كثيراً وشعرت بأن السكن أصبح بيتي وحدي، ولكن لم أهنأ طويلاً، في غضون يومين انتقلت للإقامة معي ملكة جمال الفلبين سابقاً، وكانت جميلة قلباً وقالباً، رغم التباعد الجغرافي فإننا تآلفنا سريعاً، كانت تبكي طيلة الوقت، ليس بسبب اشتياقها لحبيبها ولكن بسبب خيانته لها.

إنها النفس وما تهوى، كان يتفنن في إيذاء مشاعرها ويستأسد عليها وكانت ضعيفة واهنة، شعرت بالغضب من أجلها، كانت في حاجة لمن يساندها للتخلص من سموم حبيبها التي انتشرت في عروقها فساندتها، عندما تمكنت من الإقلاع عن حبه بدأ هو في مطاردتها، إنها النفس التي لا تعرف قيمة الأشياء إلا عند خسارتها.

تزوجت هي من عسكري أميركي يعمل في القاعدة الأميركية (حلم كل فتاه فلبينية)، ولكن لم يكن حلمها.. لا أعلم هل تغلبت فعلاً على حبها أم كانت تهرب من تلك الآلام التي تعتصر قلبها بأحجار الألماس التي كان يُمطرها بها زوجها.

النفسُ البشرية معقدةٌ أكثر من تعقيد الأسلاك في محطة كهرباء؛ لذلك مهما تخيلنا أننا نفهم شخصاً ما، لا بد أنه سيبهرنا بما لا نعرفه يوماً ما مهما طالت السنون، أحياناً كثيرة نشعر بعدم ارتياح، ولكن لا نملك سبباً واضحاً فنتجاهل شعورنا رُغم أنه في أغلب الوقت يكون صادقاً، الأهم من اكتشاف بواطن الأمور هو كيفية التعامل معها، وعدم الانزلاق في طريق نستنزف فيه طاقتنا ومشاعرنا، وأن نكون قادرين على تحصين أنفُسنا من السقوط في بؤرة فقدان الثقة، التي أعتقد أنني عالقة بها... هنا يكمن سر اللعبة.

انظر إلى وجه كلّ إنسان، وكن منتبهاً، فلعلّك تغدو من التأمل عارفاً بالوجوه.

ولما كان كثير من الأبالسة يظهرون في صورة الإنسان، فليس يليق بالمرء أن يمدّ يده لكلّ يد، ذلك لأن الصياد يصطنع الصفير، لكي يوقع الطائر في حبائله، فيسمع الطائر صوت أبناء جنسه. فيجيء من الهواء فيجد الشبكة والسكين.
"إن الرجل اللئيم يسرق لغة الدراويش ليتلو على البسطاء أسطورة منها يخدعهم بها".
جلال الدين الرومي

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.