المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نهى خالد Headshot

بين الفوضى والنظام والتناغم

تم النشر: تم التحديث:

عندما أدرك أينشتاين مبادئ ومعادلات ميكانيكا الكمّ، والتي أحدثت ثورة غير مسبوقة في علم الفيزياء، قبل أن تقلب تصوراتنا عن الطبيعة رأسًا على عقب، قال جملته الشهيرة، في محاولة لإنكار الحقائق الكمّية، أو على أقل تقدير الدعوة إلى نظرة أكثر عمقًا خلف فلسفة الكم التي بدت له عشوائية: "لا أعتقد أن الرب يقامر بالكون". (God does not play dice with the world).

ما الذي دفع أينشتاين لقول هذا؟ قال البعض أنها رؤيته الدينية، فأينشتاين اليهودي ربما لم يكن متديّنًا جدًا، ولكنه لم يلقي بعقيدته خلف ظهره كما فعل الكثير من الأوربيين. استبطن أينشتاين دون أن يدري الافتراض القائل بأن الكون يجب أن يكون منظّمًا، وأن العشوائية، ليست فقط حدثًا طارئًا عليه، وإنما بشكل عام مذمومة وغير مقبولة، بل التسليم بأنها طبيعة الأشياء يُعَد هرطقة.

كان هذا في الواقع أينشتاين الأوروبي لا اليهودي. وكل من تقبلوا ورفضوا نظرية الكم على السواء آنذاك في أوربا تقبلوها أو رفضوها كـ "أوروبيين" علمتهم الحداثة أن النظام هو الأصل، وأن الفوضى دخيلة مذمومة. فمن رفضوها التزموا بـ "أرثوذكسية" العلم الحديث معترضين على "هرطقة" الكم، ومن قبلوها عبّدوا الطريق، أو ساهموا بشكل أو آخر عن فهم أو سوء فهم، في ظهور فلسفات ما بعد الحداثة والعدمية والعبثية وغيرها.

ولكن الحقيقة أن كليهما، من قبلوا ورفضوا فلسفة الكم، يقولان الشيء نفسه: أن وجود النظام هو ما يُعطي معنى، وغيابه يُفقِد الكون معناه. فإذا رفضت الكم فأنت تحافظ على فكرة النظام في الكون، وإن قبلت الكم فقد فتحت أبواب العبث والعدمية. غير أن الافتراض الذي بنى كلاهما رؤيته عليه يحتاج إلى مراجعة: من قال أن الأصل في الأشياء هو النظام، وأن العشوائية الكامنة في الرؤية الكمية تحيلنا للعبث؟ لنذهب أبعد من ذلك.

من قال بأن العلم، والإنسانية بشكل عام، يواجهان خيارَين متناقضَين لا ثالث لهما أصلًا، إما الفوضى والعبث أو النظام والانضباط؟

***

نظرت الزائرة الألمانية بعجب إلى الشارع المصري، الذي غيّر نظام سير السيارات فيه فجأة دون أن يخبره أي أحد بذلك، إثر قرار واحدة من السلطات إغلاق شارع من شوارع وسط البلد. تحوّل الشارع في غضون ثوانٍ من اتجاه واحد إلى اثنين، وشرع سائقو السيارات في القيادة طبقًا للـ "نظام" المتعارف عليه، منذ ثورة ٢٠١١، أثناء إغلاق أحد الشوارع. سيقول الكثير منا إن رأى مشهدًا كهذا أن ما يجري أمامها هو واحدة من علامات "الفوضى" في مجتمعنا (لاحظ كيف تُستَخدَم كلمة فوضى، وبمعنى سلبي). ولكن الزائرة الألمانية لم ترى المشهد بهذه النظرة، بل عبّرت عن إعجابها بـ "ذكاء" و"مبادرة" السائقين قائلة: "لو حدث موقف كهذا في ألمانيا، كنا لنقف في طابور مزدحم لساعات في انتظار الشرطي ليقول لنا ما نفعل بالضبط".

هذه ربما أحد الفروق بين مفهوم النظام الذي يقابله مفهوم الفوضى بكل صلابة، ومفهوم التناغم، وهو ربما مفهوم غريب قليلًا في أوروبا، ولكنه من أقدم المفاهيم في الصين على سبيل المثال. الجَمعُ المنتظم (Ordered Crowd) يحتاج إلى نقطة نظام خارجه تُملي عليه النمط الذي يسير وفقًا له، ولكن الجَمعُ المتناغم (Harmonious Crowd)، ينبع تناغمه من خبرته المكتسبة في التعامل مع بيئته على مر السنين، والأنساق التي ابتكرها لمواكبة التغيّرات في المنظومة المحيطة به، والتي يتعامل معها أفقيًا وذاتيًا، بدلًا من انتظار الإشارات الرأسية، التي تسلبه على مر السنين قدرته على المبادرة، كما قالت لنا صدقتنا الألمانية.

(لنلاحظ هنا الفرق طبعًا بين التناغم والأنانية، فالقرار النابع من ذهنية التناغم غالبًا ما تسير مجموعة كبيرة وفقًا له، وغالبًا ما ينتج عنه تحسّن في أداء المنظومة، كما في المثل السابق، ولكن القرار الأناني غالبًا ما ينبع من مبادرة شخصية، وتعود منافعه على شخص واحد فقط، وهو قرار إذا ما اتبعته مجموعة كبيرة، على الأرجح ستؤدي إلى عمل أقل كفاءة للنظام. مثال للقرار الأناني قد يكون خروج سيارة عن الصف أثناء لجنة شرطة، ومحاولتها تجاوز المنتظرين لتمر هي.

قرار كهذا إذا اتبعته الجموع سيؤدي إلى تعطّل المنظومة نظرًا لنشأة صف ثانٍ، وبالطبع إيقاع ظُلم على من وقفوا مبكرًا، بالإضافة إلى إحداث فوضى - فوضى حقيقية هذه المرة. لعل من مميزات الجمع المنتظم، خصوصًا في زمننا هذا، الذي تهيمن فيه رؤى الداروينية الاجتماعية، أنه غالبًا ما يحول بين مجتمع ما وبين انزلاقه إلى الفوضى المستندة للقرارات الأنانية، وقليلًا جدًا ما يكون بالفعل حائلًا سلبيًا أمام إمكانيات تناغم الجموع من تلقاء نفسها).

ما هو الضمان إذن ألا تكون المنظومة مانعًا لمبادرة الجمع، وما هو الضمان، على الناحية الأخرى، على أن يكون تخفيف قبضة المنظومة، بابًا للفوضى؟ هل تغيير ذهنية مجموعة ما لتميل إلى التناغم وتنبذ الأنانية، قرار فوقي في المقام الأول؟ وإن لم يكن، فكيف يمكن بثه أفقيًا؟ ما هي بذرة التناغم الأولى، إن جاز القول؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.