المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نهى خالد Headshot

وهم "الفوضى" الخلاقة

تم النشر: تم التحديث:

يعرف الكثيرون مصطلح "الفوضى الخلّاقة"، وهو رائج منذ عدة سنوات، خاصة حين استخدمته وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس لتصف رؤيتها للشرق الأوسط.
الآن، إذا قُمت بالبحث عن المصطلح على جوجل، ستظهر لك العديد من المقالات عن المفهوم الذي تدعي عدة صحف ومواقع أنه المحرّك الأساسي لكثير مما يجري في الشرق الأوسط. ستجد مثلاً مقالاً سعوديًّا عن كيف استخدمت أمريكا الإخوان المسلمين كأداة لنشر "الفوضى الخلاقة"! ثم مقالٌ آخر عن الفوضوية الكامنة خلف فكرة التظاهر والمليونيات، بل والربيع العربي نفسه!! وهكذا.

ولكن الحقيقة أن ما تعنيه، ومن الممكن أن تؤدي له، نظرية الفوضى، بعيدًا عن السياسة، وبالأخص فيما يخص مفاهيمنا عن الحضارة والطبيعة والعلوم، هو أمرٌ شديد الأهمية. إذا قُمت بالبحث عبر جوجل باستخدام الإنجليزية (Chaos Theory) بدلاً من العربية، ربما كان ذلك أفضل لفَهمِك، ولأعصابك أيضًا!

ما هي "الـفوضى" بالضبط؟

هناك استخدامات عدة لمصطلح الفوضى، إلا أن أهمها، هو المُشار به إلى فرع من فروع الرياضيات، والذي يمتد ليشمل ويفسّر مجموعة من الظواهر الطبيعية التي لا تُعَد منظومات بسيطة يمكن التنبؤ والتحكُّم بها بسهولة.

على سبيل المثال، بندول الساعة، واحد من أبسط وأشهر الأمثلة على النظم الميكانيكية، له معادلة سهلة تشرح موقعه بالنسبة للزمان، وبالتالي يُمكن التنبؤ بمكانه في كل لحظة مستقبلية، حتى إن أخذنا في الاعتبار عوامل شتى مثل الاحتكاك مع الهواء واتجاه الرياح، وحتمية وقوف البندول في لحظة معيّنة بعد أن دفعناه في بداية التجربة ليتحرّك. هذا البندول، كمنظومة، ليس فوضويًّا على الإطلاق. ومن الممكن التحكّم به بسهولة.

ولكن البندول ربما ليس أهم شيء في الكون. ماذا عن دوران الأرض حول الشمس؟ دوران الأرض حول الشمس الذي يظنه الكثيرون عملية سهلة وبسيطة ليس كذلك، بل يتضمن حقيقة أن مدار الأرض نفسه يغيّر مكانه، وأن شكل المدار يتغيّر، وغيرها من تفاصيل فلكية، ولكن المنظومة إجمالاً تظل بسيطة، ويظل العلماء قادرون على التنبؤ بها لسنوات عبر معادلات رياضية (بافتراض عدم وقوع حوادث فلكية كبرى غير متوقعة).

وهي معادلات معقّدة، ولكنها تحدد لنا خط سير المنظومة بدقة ولوقت طويل. لذلك، دوران الأرض حول الشمس ليس منظومة فوضوية، وإن كانت معقدة رياضيًّا.

ماذا عن الطقس؟ لا يملك العلماء معادلة واحدة، ولا بضع معادلات حتى، ليشرحوا لنا بها كيفية تطور الطقس. وأقصى ما يمكنهم التنبؤ به هو أسبوع أو عشرة أيام، قبل أن تفشل كل مساعيهم للتنبؤ طويل الأمد. ناهيك عن أن توقعاتهم لا تكون دقيقة 100%، بل هي الأكثر احتمالاً.

فمن منا لم تخنه توقعات الطقس في يوم من الأيام؟ أضِف إلى ذلك أن الطقس ليس مستقرًا كدوران الأرض حول الشمس. فالأخير ليس حساسًا لأي تغيّر بسيط، مثلاً إذا سقطت بناية في مكان ما، أو قفزت مجموعة من مليون شخص مرة واحدة، لن يؤثروا على دوران كوكبنا حول الشمس بشكل يُذكر، ولكن الطقس حساسٌ للغاية، ويمكن ‒نظريًّا‒ لحركة جناح فراشة على شواطئ الأطلسي في أفريقيا أن تتسبب في عاصفة على الناحية الأخرى في الولايات المتحدة، كما يقول لنا الأثر المعروف باسم "أثر الفراشة" (Butterfly Effect).

منظومة الطقس هذه، يصعب التنبؤ "طويل الأمد" بها، ويستحيل التحكُّم بها، وهي حساسة جدًّا لأي تغيّر بسيط، ولذلك يعتبرها العلماء منظومة "فوضوية".

إذن الفوضوي ليس مضادًا للبسيط رياضيًّا، أو مرادفًا لما قد تستغرق وقتًا أطول في حل حساباته المعقّدة. فدراسة بندول الساعة قد تستغرق دقائق، ومذاكرة معادلات دوران الأرض حول الشمس قد تستغرق منك شهرًا لتلم بتفاصيلها، إلا أن كليهما "منظَّمان" علميًّا ورياضيًّا، يسهل التنبؤ بهما، ولا ينقلب حالهما بتغيّر بسيط.

شروط الفوضى إذن هي:

- عدم القدرة على التنبؤ الدقيق، خصوصًا لمدة طويلة.

- عدم القدرة على التحكّم في المنظومة (إن كانت في متناول البشر).

- الحساسية للظروف الأولية، التي تبدأ بها المنظومة، أو لأي تغيرات طفيفة.

لسنا في حاجة للقول بأن العلماء يعتبرون كل المنظومات الاجتماعية والإنسانية فوضوية، إذ تنطبق عليها الشروط الموجودة أعلاه. فعالم البورصة فوضوي، ومباراة كرة القدم فوضوية، وحركة المرور، وازدياد التعداد السكاني، وغيرها. ولنأخذ مثالاً لاختبار ذلك.

حركة المرور بين الأتوستراد وصلاح سالم. لنفترض أن أحدهما في إدارة المرور أراد أن يتنبأ بدرجة الازدحام في كلا الطريقين، وأن أحدًا أراد معرفة الازدحام في الطريقين بعد خمسة أيام ليقرر أيهما يسلك إلى عمله.

سنجد أولاً أن الازدحام يعتمد على عوامل بشرية، وهي اختيارات كل شخص قرر أن يسير في أي من الطريقين بسيارته، وهو أمر خاضع لمزاجه، واللحظة التي قرر الانطلاق فيها من عمله بالتحديد، إن تأكدنا من أنه سيذهب في هذا اليوم، ومكان عمله، وما إذا قرر فجأة المرور على مطعم أو صيدلية، وهكذا.

ثم نأتي للحساسية الشديدة. تغيّر بسيط، مثل توقف سيارة نقل في منتصف واحد من الطريقين، أو انقلاب عربة فاكهة، أو اصطدام "ميكروباص" بسيارة أخرى، قد يقلب أي معادلات ويجعلها غير ذات فائدة. كل ذلك يجعل التنبؤ صعبًا، حتى لبضع ساعات في المستقبل، وهو ما يعني أن المرور، بالقطع، منظومة فوضوية.

بالإضافة للمنظومات الإنسانية، وكما رأينا في حالة الطقس، تندرج الكثير من المنظومات الطبيعية تحت عالم "الفوضى"، كحركة أسراب الكائنات البحرية، وهجرات الطيور، والنسق الذي تنمو به وريقات الشجر والورود، والأشكال التي تشكلها أمواج البحار، واتجاه نمو الريش على جسد الطاووس، وغيرها.

وَهْم الفوضى

الفوضى إذن هي ليست فوضى حقيقة، بل هي مجرد مجموع الظواهر الطبيعية والإنسانية التي وجدها عالم الطبيعة "الحديث" غير قابلة للتنبؤ والتحكُّم (Unpredictable and Uncontrollable)، وهو ما دعاه لاعتبارها ظواهر "فوضوية" طبقًا لرؤيته النيوتِنية (نسبةً لنيوتن)، التي اعتبرت كل شيء قابل للتنبؤ الرياضي والسيطرة العلمية في كون ميكانيكي يسير بدقة كالساعة.

وإذا خلعنا تلك "النظارات النيوتِنية" التي يرى بها هذا العالِم العالَم من حوله، سنجد أنه ليست ثمة فوضوية في مواجهة نظام مُحكَم، ولكن مجرد أنظمة بسيطة، سهلة التنبؤ والسيطرة، مثل بندول الساعة ومحرّك السيارة والذرات، وأنظمة "مركّبة"، سواء طبيعية، مثل المناخ ونسق نمو النباتات، أو إنسانية، مثل المرور ونمو السكان والتعاملات المالية وتوجهات الرأي العام وغيرها، وهي أنظمة يصعب التنبؤ طويل الأمد بها، كما يصعب التحكُّم بها.

والحقيقة أن كثيرًا من العلماء والفلاسفة بدأوا يثيرون مسألة التسمية، والتي تنم عن تحيّز لصالح الرؤية العلمية الحديثة التقليدية، والتي تعتبر ما يخرج عن قبضتها "فوضى"، والعديد من الكتب الآن تتناول كل تلك الظواهر باعتبارها "مركّبة" لا فوضوية،و يسمّون النظرية بنظرية "التركيبية" (Complexity Theory).

أيضًا، الحد الفاصل بين البسيط والمركّب ليس واضحًا، كما الحد بين الفوضوي والمنظَّم في الرؤية العلمية الحداثية، بل يكاد يكون هناك طيف من الأبسط إلى الأعقد تتراوح فيه درجة التركيبية. فأنساق الكثير من النباتات والزهور.

على سبيل المثال، لها نُظُم رياضية تشرح أشكال وريقاتها، مثل متتالية فيبوناتشي الشهيرة (Fibonacci)، ورُغم ذلك يعدها العلماء "فوضوية" لأن التنبؤ والتحكّم بها عسير. غير أنها بالقطع ليست معقدة كالمناخ، الذي لا يمتلك العلم ادعاء التنبؤ به بدقة 100%، فضلاً عن التنبؤ طويل الأمد به. ولا يضاهي المثالان السابقان تركيبية انتشار الأفكار بين البشر، والإقبال على موسيقى معيّنة، واتجاهات الهجرة من الريف إلى الحضر أو العكس، ومقدار مبيعات منتج معيّن في العام الجاري، وهكذا.

حين يُدرك المرء معنى الفوضى أو التركيبية كمفهوم، كما حاولنا أن نشرحه هنا، تتبادر بعض الأسئلة لذهنه:

أولًا، لماذا يستحيل التنبؤ والتحكُّم بكل هذه النظم الطبيعية؟ جميعنا يعلم أن الطبيعة سهلة وبسيطة على عكس المجتمعات البشرية، أو هكذا قرأنا كثيرًا عندما مررنا على مقال أو كتاب يتناول فلسفة العلوم الطبيعية والعلوم الإنسانية. فلماذا إذن، حتى في الطبيعة، نجد نُظُم فوضوية مركّبة، وماذا يعني هذا للعلوم الطبيعية؟

ثانيًا، وبشكل عام، ما جدوى التنبؤ والتحكّم المطلقَين أصلاً؟

للحديث بقية، إن شاء المولى، لتناول هذين السؤالين.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.