المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نوح ابراهيم Headshot

7 أيام في أميركا

تم النشر: تم التحديث:

(1)
تضحك فيوليتا الخمسينية حين تريني صور العقارب التي تقتلها كل صباح، ثم تستغرق في وصف لونها وحجمها وعمرها المتوقع. في اليوم الأول حين كانت تُقلّني بالسيارة من المطار إلى المنزل، حدثتني عن وصولها إلى هنا من كوبا قبل 10 سنوات، عن رعبها وسعادتها، ثم عن عمال البناء المكسيكيين الذين أخبرتني بأن معظمهم مهاجرون غير شرعيين أقل حظاً مني.

تضحك روبرتا أيضاً حين تعتذر عن سوء الخدمة في المجمع السكني الذي أقطنه، والحق أن كل ما يحدث مثير لنوع خاص من الضحك: فرغ شحن هاتفي في مطار أتاتورك، ولم يبدُ الأمر مهماً حينها؛ لأني اعتقدت أني سأشحنه على الطائرة، لكن مأخذ الشحن كان معطلاً، وكانت تلك علامة لم أفقهها جيداً إلا لاحقاً، تماماً مثل قرار منع اصطحاب أكثر من كرسي مدولب واحد الذي دفعني إلى تفضيل الكرسي الكهربائي الأكثر أناقة. لكن هذا الأخير فرغ شحنه أيضاً في مطار هيوستن، والمحول الذي اشتريته من تركيا (فمآخذ الكهرباء هنا تشبه وجهاً نصف حزين ونصف خائف) كان خاصاً ببريطانيا العظمى (حيث مآخذ الكهرباء حيادية أكثر وأمْيل إلى الصرامة).

لا بأس، فينيكس مدينة كبرى، ولن يصعب الحصول على محول، كما أن فيوليتا وعدت بالعودة بعد الظهر جالبة المحول المأمول.

"هل أعجبك منزلك الجديد؟"، قالت ضاحكة كالعادة، واحترت في الرد؛ فرائحته كانت كريهة وبدا بائساً وقذراً، لكن اللباقة تستوجب الإيجاب دوماً: "نعم".

لم تحضر بعد الظهر، فقد كسرت ساق "زبون" آخر واضطرت إلى أخذه إلى المشفى. رغم أن اليومين التاليين كانا عطلة، فإني لم أقلق، فلا داعي للحركة، خاصة أنها شرحت لي أن الحصول على بطاقة سيم وإنترنت يتطلب إجراءات لن نستطيع إنهاءها في كل الأحوال.

في غياب النت والحركة، كان النوم خياراً حكيماً ببساطة، وأنا عاقل ومتعَب بما يكفي لأنام يومين في حالة كهذه، وكذا قررت.
استيقظت بعد الظهر على طَرق قوي على الباب. أول ما لاحظته، كان رائحة الدخان التي تملأ الغرفة، فكان فتح الباب تحصيل حاصل. "ثمة حريق في الغرفة المجاورة لغرفتك... اركض".

حسناً، كانت دهشتي من الصدف والحرائق وكل هذه الخيبات كافية تماماً، لكن كلمة "اركض" التي ذيّلت العبارة كانت صاعقة يعني.

لكني ركضت (على يدي بالطبع)؛ فالكرسي عديم الجدوى دون شحن، وخيار تحدي الحريق كان أبعد ما يكون عن الرزانة والتعقل.

جلب السيد ألفاريز (مشرف المجمع والرجل الثاني فيه بعد روبيرتا البدينة جداً جداً) لي كرسياً؛ كي أراقب الحريق براحتي، لكني كنت قد تركت كل ما أملك في الغرفة، وأنبوب الغاز ملاصق للجدار المشتعل، فراقبت ما يحدث، نصف مرتاح، خاصة أننا في بلاد يتوقع أن رجال الإطفاء فيها "خارقون".

رأيت كل ما نراه في الأفلام: السرعة، والدقة وإسعاف الكلاب بأسطوانات الأكسجين، حتى إني اعتقدت أن كلينت إيستوود سيظهر في أي لحظة.

"سنضطر إلى وضعك في غرفة مؤقتة حتى نكتشف سبب الحريق"، قال إطفائي باسماً وحملني إلى الغرفة المقصودة مع السيد ألفاريز. وكانت الغرفة المؤقتة خالية من كل شيء، يعني غرفة عارية فيها فراش على الأرض.

اعتقدت أن الأمر سيستغرق ساعة أو ساعتين فلم أبالِ، لكن حين جاء ايلينميز وإيليير، جاراي الكوبيان اللذان لا يعرفان ولا كلمة بالإنكليزية عدا "هلو"، حامليْن فراشهما أيضاً، عرفت أن الخطب جلل. بقيت يومين هناك، آكل الموز والبسكويت، رافضاً دعوات الأكل المتكررة من رفيقي الغرفة ومصرّاً بكبرياء بغيض على أني لست جائعاً، وكانت رائحة طعامهما شهية.

(2)
"لدي 50 ألف عدو بالتمام والكمال في بلدي"، يقول بشير خان، مهندس الكمبيوتر ولاعب الكاراتيه الأفغاني الذي يقطن على بعد شارع من مجمع "وادي الحور" حيث أقطن. وأعداؤه المقصودون هم عشيرة زوجته التي خطفها إلى باكستان بعد سنوات من الحب. منطقه البلاغي قائم على الأرقام والمعلومات التي جمعها من مصادر غامضة غير حقيقية متماهية مع مسبحته القصيرة التي لا تكف عن الدوران وملامحه الغائرة في القدم.

التقيته في إدارة الضمان الاجتماعي، حيث يفترض أن يعطونا أرقاماً دالة على هوياتنا.

استشاط خان غضباً حين أخبروني صباحاً في مكتب الأمن القومي بأن ملفي غير قابل للتنزيل لسبب مجهول، "أعطوني لابتوب وسأحل المشكلة. أنتم جهلة"، قال للموظف بلكنته الجلية، فهز الموظف رأسه خائفاً شارحاً أنه لا يستطيع السماح لخان بالدخول إلى حاسوب مكتب الأمن القومي.

رماه خان بنظرة احتقار ولم يرد.

كان ذاك انتقاماً استباقياً تقريباً، فنحن جالسون منذ الصباح في بهو مكتظ منتظرين دورنا الذي لا يأتي وسط حشد من المشرَّدين والمعاقين والعجائز الذين تخلى عنهم الضمان الاجتماعي حتى وإن كان ما زال يزودهم بالمعونة. الامتعاض واضح، خاصة على وجوه الكونغوليين النحيلة القاسية. على المقعد المجاور، تهدهد أمٌ صغيرها الباكي الذي يسيل مخاطه على كتف جاكيتها الجلدي الذي لا سبب لارتدائه في هذا القيظ الحارق سوى أنه الوحيد الذي تملكه وتستطيع ارتداءه فوق بنطالها الرمادي الحائل لونه.

"لا تنامي يا رقية"، قال خان لإحدى ابنتيه بينما كانت الأخرى، فاطمة، تلاعب فتىً كوبياً في الممر.
بقيت 5 دقائق ليقفل المكان، وواضح أن دورنا سيؤجل إلى الغد.

(3)
يزورني الكوبي ايلينمّيز (بتشديد الميم) كل مساء. وقد يكون هذا غريباً نوعاً ما بالنظر إلى كونه لا يعرف الإنكليزية وأنا لا أعرف من الإسبانية سوى البعض المشترك مع إيطاليتي الركيكة، والقليل مما عرفه المرء عن طريق أفلام بيدرو آلمو دوفار وأليخاندرو أمينابار.

لكننا نتواصل، وإنْ بشقّ الأنفس. اضطر إلى المرور بمعظم دول أميركا اللاتينية حتى يصل إلى هنا، وترك أطفاله الثلاثة وزوجته الجميلة حقاً في كوستاريكا، منتظرين انقضاء السنة حتى يستطيعوا الالتحاق به. يقول إن كاسترو ليس سيئاً مثل أخيه راؤول (حسبما فهمت)، وأن الشيوعية بقيت فكرة لا يعرف منها معظم الكوبيين سوى أنها تعني أن يكون الجميع فقيراً. لكن ايلينمّيز بعيد عن الدراما، فسرعان ما يتحول إلى الحديث عن جمال الكولومبيات وشواطئ بنما والرشى التي دفعها على حدود معظم الدول اللاتينية "الغارقة في الحب".

"آميغو" يناديني من وراء الباب بصوت عالٍ قبل أن أفتحه ويمد لي يده القوية، فهو معلم في تركيب مكيفات الهواء التي قطع أحدها نصف إصبعه الوسطى حين كان يعمل في الإكوادور. يريدني أن أعلمه الإنكليزية، مثله مثل المرأة التشادية وابنتها الشاحبة التي تكلمني بلغة لا تشبه صوتاً سمعته من قبل.

حسناً، التدريس مهنة حزينة تجبرني على الكلام، وأنا الهارب منها أفضّل الإنصات إلى كل هذه الحكايا الصعبة التي أركبها بحيرة لاعب شطرنج أمام رقعة لعبة منتهية لا يعرف من خسرها. سأعتذر أو أهرب أو أؤجل، لكني سأسمع أولاً كل الحكايا الممكنة، كل الأغاني التي يدندنها ايلينمّيز حين تتخلل سهرتنا لحظات صمت. "ثانك يو آميغو"، يقول بعينين دامعتين عند الباب مودعاً كل ليلة.

(4)
"انظري من هنا، إنه تووي مرة أخرى"، قالت موظفة مكتب الضمان الاجتماعي لزميلتها التي ابتسمت وسلمت بحرارة على مرافقي البورمي. "تووي" وصل إلى هنا قبل 10 سنوات هارباً من الحرب الأهلية في بورما، والتي كانت قد بدأت حتى قبل مولده واستمرت 63 عاماً.

حدثني طوال الطريق عن عائلته وحياته هنا وعن اختناقات المرور في نيويورك، لكنه قال إن المدينة جميلة وإن كل من يزورها يحبها بلا شك. وافقتُ رغم أني لم أزرها ولا أعرف ما إذا كانت جميلةً حقاً أم لا، فالصور، كما علمتني التجربة، قد تكون مضللة. "تووي"، القصير المكتنز القوي كصخرة، يروح ويجيء بين المؤسسات الحكومية طوال النهار، الكل يحييه ويبتسم حين رؤيته، أما نظرتهم إليّ فمختلفة؛ فهم إما يبدأون الكلام بتحية إسبانية "أولا أو هولا"، وإما يسألونني إن كنت أتحدث الإنكليزية، افتتاحيتان أصبحتا جزءاً من روتيني اليومي.
لكن موظفة اليوم كانت مختلفة؛ كانت في عمر التقاعد تقريباً، تضع نظارات سميكة وشعرها أشقر قصير، واضحٌ أنها تعتني به جيداً. بدت كأنها قادمة من عائلة غنية وأنها لم تطأ شوارع هذه المدينة بقدميها أبداً؛ إذ لا بد أنها تملك سيارة ضخمة كالتي تجوب الشوارع هنا طوال النهار. حدقت فيّ ملياً ثم قالت لي: "أهلاً بك في أميركا"، بدت العبارة حيادية وروتينية بالنسبة لها، لكنها عبارة ألطف من "اسمك الكامل وعنوانك" التي تتلو التحية دائماً.
- "مكتوبٌ هنا أن لغتك الأم هي الكردية".
- "نعم".
- "لقد جاء كردي مسيحي يتكلم الروسية فقط إلى هنا قبل فترة".
- "لا يبدو هذا مألوفاً".
- "لا، لم يحدث معي من قبل. يمكنك أن تعمل مترجماً فورياً عن الكردية إن أردت، معنا أقصد".
- "سنرى يا سيدتي، لقد وصلت للتو إلى هنا وعليّ أن أدرس خياراتي كلها، إن كان ثمة خيارات".

ثم شرحت لي تفاصيل تقديم الإعانة وقسيمة الطعام بقيمة 164 دولاراً والتي يجب أن تكفيني لمدة شهر.
- "تذكر، لا تستطيع شراء الطعام الساخن بها. لا تستطيع طلب هامبرغر أو الأكل في مطعم".
- "حاضر سيدتي".
- "كان لدي صديق معوّق حين كنت طفلة. كنا نأخذه معنا إلى كل مكان، وكان بارعاً في كرة القدم... أقصد مستخدماً يديه بالطبع".
- "نعم، توقعت هذا يا سيدتي".
- "ماذا عنك؟ لديك هوايات غريبة مثل صديقي".
- "أنا أقرأ سيدتي... أقرأ كثيراً وأتمنى أن تكون هذه مهنتي".
- "تستطيع الذهاب إلى المكتبة هنا إن أردت. إنها مجانية".
- "سأفعل إن استطعت، لا أدري بعد".
- "ستكون بخير هنا... أنت جاهز".
- "جاهز، لماذا يا سيدتي؟".
- "للعيش هنا".
- "ربما سيدتي، لا أعرف".
- "اقرأ هذا الكتاب حين تذهب إلى المكتبة"، ثم خطّت اسم كتاب على قصاصة ورق.
- "لقد قرأته يا سيدتي... لم يعجبني سرده التقليدي، رغم أهمية موضوعه".

رمقتني بنظرة معاتبة قاسية نوعاً ما: "عليك أن تقرأه مجدداً إذاً".
- "حاضر سيدتي".

في الطريق إلى المنزل، كان تووي صامتاً معظم الوقت، متوتراً لأننا تأخرنا على "زبائن آخرين"، وكنت أبحث في ذاكرتي عما قد يجعل كتاب "الأرض الطيبة" يستحق قراءة ثانية. لم أجد ما يقنعني بصراحة، ثم سرعان ما انصرف تفكيري إلى جمال الأغنية التي كان تووي يرددها، والتي كانت تهويدةً حفظها عن أمه.

(5)
"أوّيل" من كوبا أيضاً، لكنه الأقدم في المجموعة، وقد أتى مهرَّباً عن طريق البحر ليصل ميامي بعد 30 ساعة من الإبحار والتوقف لتجنّب خفر سواحل البلدين. "أوّيل" قصيرٌ أيضاً ويعمل قصاباً في مسلخ المدينة.
ينصحني بالحصول على إذن العمل وسيارة، ففرصتي تتضاءل بشكل دراماتيكي إن لم أملك هاتين الميزتين. حين أخبرته بأني لا أستطيع القيادة، فكّر ملياً ثم قال: "لا بد من حلٍ لهذا، احرص على الحصول على إذن العمل".

لم ألتقِ أحداً مهووساً بالنساء مثل هذا الرجل، شرح لي، أنا الذي لم ألتقه من قبل، كل الاختلافات التي يجدها مهمة بين الكولومبيات، الكوبيات والكوستاريكيات. لكن مفردات مثل "مهمة" تأخذ لدى "أوّيل" معنى خاصاً قد لا يُسمح هنا بنشرها. والحق، إنه كاد يفسد عليّ متعة لقاء الكوبي الآخر الذي بدا مختلفاً حقاً عن أقرانه كافة.

"إيليير"، الذي وُلد في الريف البعيد عن هافانا، وسط حقول السكر في يوم صيفي لاهب قبل 32 عاماً، عيناه ضيقتان صغيرتان للغاية، نحيلٌ لوّحته الشمس، فهو يعمل في رشِّ السقوف بمادة مطاطية عازلة تحت شمس أريزونا الحارقة. لديه أخ في إيطاليا دعاه مرة لزيارة فينيسيا: "كيف تبدو فينيسيا؟"، سأله "أوّيل"، "إنها أجمل من أن تكون على هذا الكوكب، أجمل من مؤخرة كولومبية".

وصل إيليير عن طريق روسيا التي قضى فيها شتاءً بارداً وصلت درجة الحرارة فيه إلى 25 درجة تحت الصفر "بالنسبة لكوبي، كان البرد مدهشاً"، قال لي وعيناه تضيعان تماماً في وجهه إذ يبتسم. ترك الصديق الجديد ابنتيه وزوجته الحالية في كوبا، وكانت زوجته الأولى قد ماتت في حادث سيارة قبل 5 سنوات.

"التقيتُ زوجتي الأولى، ليلى، في حفل طلابي في أثناء الدراسة بالجامعة، أما زوجتي الثانية فكانت تعمل في الفرن القريب من منزلي". لم أسأله ما اسمها، ففكرة أنه تجاهل ذكره كانت موحيةً بقدرٍ كافٍ بأن مشاعره تجاهها ليست بالعمق ذاته.

قال أويل: "بعد أن نحصل جميعاً على الجنسية، سنذهب إلى كوبا معاً، ستحب النساء الكوبيات"، ابتسمتُ كعادتي حين تربكني فكرة الآخرين عن السعادة، فكوبا بالنسبة لي، ما زالت مكاناً غامضاً حزيناً لا أعرف منه سوى موسيقاه والهاربين منه. قد لا تكون الفكرة سيئة جداً؛ إذ بعد كل شيء قد أستطيع زيارة بيت أليخو كاربنتيير حيث ولدت "الخطى الضائعة" في "مملكة هذا العالم".

(6)
"لا، يجب أن أتأكد بنفسي أنك آمن"، قال سائق الباص حين سألته إن كان مسموحاً بأن أربط الأحزمة بنفسي. ثمة أحزمةٌ أربعة تقيّد الكرسي المتحرك إلى أرضية الباص، يتأكد السائق منها جيداً قبل أن يمضي إلى مقعده.

الباصات هنا ضخمة وثقيلة وتصدر صوتاً مخيفاً حين تعبر الشارع. كان اليوم دورةَ استخدام المواصلات في المدينة، معلمتنا ذات الأصول الإيرلندية قالت إن والدتها مدرّسة أدب، وإنها تعشق فولكنر وهاينه. تحدثت أيضاً عن مهرجان نيو أورليانز للجاز، وعن شتاء فينيكس الذي يشهد توافد أهل الشمال بحثاً عن الدفء الذي لا يتلاشى تماماً هنا.

- "ما رأيك بفينيكس؟".
- "إنها مختلفة".
- "مختلفة بشكل سلبي أم إيجابي؟".
- "حتى الآن، لم أر الجانب الإيجابي... إنها مدينة ميتة، لا تكاد ترى إنساناً في الشارع طوال الليل والنهار. كل من يمر يستقل سيارةً ذات زجاجٍ أسود لدرجة أني لستُ متيقناً أن أحداً موجودٌ فيها حقاً. لا أسواق، لا أصوات، وكل شيء يوحي بأني في بلدٍ آخر".
- "ستعتاد المدينة بمرور الوقت".
- "لا أريد أن أعتادها"، قلت بقليل من الحدة.

تخللت الجملة لحظات صمت، أدركتُ خلالها أن هذه السيدة ليست معنية إطلاقاً بكل هذا، وأن سؤالها كان من قبيل التهذيب فقط.

- "أعتذر... لكن الوضع هنا يقودني إلى الجنون... ولا شيء يحدث يشعرني بأن ثمة تغييراً قادماً".
- "لا بأس، من حقك التعبير عن رأيك".
- "أرجوكِ تقبّلي اعتذاري".
- "حسناً، لا ضغائن"، وابتسمت برقّة.

باءت محاولاتي لتلطيف الجو بالفشل، لذا تخليت عن فكرة ترميم ما أفسدته". إنها مجرد موظفة تقوم بعملها، هل عليك أن تتذمر لكل من يسألك عن حالك؟ هل نسيت لِمَ وكيف أنت هنا؟"، عاتبتُ نفسي متسائلاً.

تحسّن مزاجنا جميعاً حين تجمعت الغيوم، ما إن تغيب الشمس في هذه البقعة من الأرض، حتى يتسلل شعورٌ غامضٌ بالخدر إلى جسدك، سكينةٌ سرعان ما تنتقل بين البشر فتجد غالبيتهم تبتسم دون سبب. وهذا ما حدث معنا.

- "سيد إبراهيم، هل يمكن أن ترشد المجموعة إلى المجمع، فالمترجمة العراقية، ريتا، مضطرة إلى الذهاب باكراً لأمر طارئ".
- "نعم يا سيدتي، بالطبع".

وحين كنا نعود إلى المجمع، كنت أتذكر ما قالته عن جدتها من طرف والدتها ذات الأصول الهولندية: "كانت تستمع إلى آرت تاتوم طوال ساعات القيلولة، ثم تقوم لتغلق الفونوغراف مبتسمة دوماً، وغالباً ما كانت تقول إن حقول القطن تلك لم تختفِ أبداً من ذاكرة الزنوج"، ومجدداً، لم أجد ما يربط حركة تاتوم على البيانو بحقول القطن المزعومة تلك. ثم هتفتُ قائلاً: "لقد وصلنا"، بصوت دفع جميع الركاب للتطلع إليّ.. "آسف، معظم المجموعة لديها إعاقةٌ في السمع"، كذبتُ محاوِلاً التملص من نظرات العتب.

وكانت أذناي لا تزالان تطنُّان بسبب صرير الفونوغراف القديم في منزل السيدة الهولندية الميتة.

7
"البوسنيون كانوا أفضل تجاربنا، وصلت الفئة المثقفة أولاً، ثم ساعدت المجموعاتِ التي وصلت لاحقاً. لقد أسسوا هنا مجالس ولجاناً لإدارة شؤونهم وحل مشاكلهم. كان أداؤهم مدهشاً. تصلنا الآن أعدادٌ كبيرة من الكونغو وبورما، وهم يشكلون تحدياً كبيراً على مستويات عدة".

كنا في الطريق إلى الجامعة وكانت متحمسة للمقابلة أكثر مني. في الشارع الممتد بين "مدرسة المتوحّدين" و"كنيسة الضوء والملح"، كانت سيدةٌ تنام على الرصيف في ظل شجرة زيتونٍ، شورتٌ قصير وقميص أقصر كانا ما يغطي كومة اللحم الأسمر المتهدل على الرصيف، وكنت أفكر في هذا المصحّ الكبير وبدانة كل قاطنيه.

- "باربرا شخصية قوية وذات سلطة واسعة، أنا متأكدة من أنها ستجد سبيلاً لمساعدتك"، وكنت متردداً في الرد فابتسمتُ، سلاحي الأقوى آنَ الشدة.
- "في كل الأحوال، سأقوم باستدعائك كلما ألقيت محاضرةً عن سياستنا في المؤسسة".
- "لا بأس جوان، سأكون متاحاً".

جوان من أصول اسكتلندية، والدها مهندس وأمها درست الفلسفة في جامعة إدنبره. أتيا هنا حين كانت جوان طفلةً، وسكنا في منزلٍ متواضع بصحبة كلبهما "دون". خلال الشهر الذي قضيته هنا، وخلال اللقاءات المتعددة مع مشرفي المؤسسة، أصبحت علاقتي مع هؤلاء الأشخاص تسمح بتجنب الألقاب، وها أنا في سيارة المديرة متوجهين لمقابلة عميدة قسم الدراسات الاجتماعية في جامعة أريزونا، باربرا، التي يُفترض أن تجد لي عملاً في الجامعة، رغم أني لم أفهم بعد ما ستكون عليه طبيعةُ هذا العمل.

مركز المدينة كان مزدحماً، فترامب سيلقي خطاباً عن المهاجرين بعد الظهر. تجنبناه إلى شارع فرعي ودخلنا الساحة الواسعة التي تفصل الحرم الجامعي عن شارع غلينديل. سأركن السيارة في مكان قريب من الظل فأنت تحترق هنا على ما يبدو، وكان قميصي مبتلاً بالعرق رغم الهواء البارد القادم من مكيف السيارة. في الممرات الظليلة مشينا، كانت تدفع كرسي لاهثة، وكنت صامتاً أحدق في الطالبات المتجمّعات احتجاجاً على خطاب ترامب حسب ما فهمت، معظمهن لاتينياتٌ وسمراوات.

في المتاهة الصغيرة التي تقود إلى المصعد، قلتُ بصوت خجول: "المكان باردٌ هنا"، فردت بضحكة معلِّقة: "سنبقى هنا إن أردت". ثم كانت باربرا في الطابق الثامن، الغرفة الأخيرة من اليمين، منتظرة. "ها أنتما... أهلاً بكما في منزلي"، ومدت يدها مصافحة، "لا بد أنك السيد إبراهيم"، "مرحباً يا سيدتي، نعم، بنفسه هنا لمقابلتك"، ضحكت برزانة وميزان. كانت باربرا بولونية في الستينات من عمرها حسبما قدَّرتُ.

"لا تفكر في الحديث عن شيمبورسكا أو ميلوش"، حذّرتُ نفسي. وكان فنجان القهوة على الطاولة عملاقاً، كيديّ باربرا وعينيها.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.