المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نزار يوسف Headshot

حول مفهوم الوصاية الفكرية

تم النشر: تم التحديث:

منذ وجود الإنسان واحتكاكه بالطبيعة وعواملها وما نشأ عنه من مجتمعات وآثار مختلفة (زراعية- صناعية). كانَ لا بد من تلازم المسار المادي التجريدي مع مسار فكري تنظيري، كحاجة أساس لاحتواء التفاعلات الإنسانية المتراكمة مع الطبيعة ومع مستجدات التطور الحضاري.

كان الإنسانُ بحاجة ماسة إلى تأطير فكري نظري لتصرفاته وأعماله وظروف حياته ومعيشته في البيئة التي يعيش فيها وما تفرضه عليه من ظروف وعوامل طبيعية وغير طبيعية. بالإضافة إلى علاقاته الإنسانية البشرية واحتكاكه مع بني جنسه، وما يتخلله من صراع ونزاع اختلاف. فلا بد من تأطير فكري نظري يسير على منهجه ويضع هو ضوابطه ومفرداته وبنوده. ويمكن صياغة الجانب الفكري ضمن إطارين اثنين. الأول فرض نفسه على الإنسان كحقيقة بديهية موجودة أو حقيقة غيبية محتمل وجودها، لم يصرف الإنسان جل طاقاته الذهنية والعقلية لاستنباطها، كونها تضمنت في محتواها مجمل براهينها وعوامل وجودها المنطقية الذاتية. أو على الأقل عوامل التقبل الفكرية الإنسانية لها، كالأفكار الدينية وبعض الأفكار الاجتماعية. الثاني ما حاول الإنسان استنباطه والوصول إليه من خلال تعامله مع الطبيعة وبني جنسه، كالعلوم التطبيقية والاجتماعية. وكلا الإطارين شكّلا حاجة ماسة لا غنى عنها.

وقد برزت أهمية هذه المعادلة الفكرية النظرية أو التنظيرية، بمسألتين أساسيتين، مسألة التنظيم ومسألة التطويع التي تميزت هي الأخرى بمفهومي القيادة والانقياد. وهذا ما أدى إلى مفهوم الوصاية الفكرية.

لقد أضحت الوصاية الفكرية في مراحل مختلفة من التاريخ، حاجة أساس للقائمين على المجتمعات والدول كأداة سهلة تزيح عن كاهلهم عناء القهر المادي والقمع الجسدي حيث لم يكونوا مضطرين أو قادرين على فعل ذلك. وأيسر السبل وأقصرها للوصول إلى القيادة والسيطرة. ومنطلق ذلك أن الوصاية الفكرية في الفترة الحالية وحتى في المراحل الماضية، قد توارت وراء حجب شرعية ومنطقية، وجدت قبولها العفوي لدى عامة الناس، واتخذت لبوساً مبهماً يصعب في معظم الأحيان كشفه. ليس ذلك فقط، بل إنها أضحت أداة للتدمير والتخريب تحت أطر ونظم شرعية ومسوغات فكرية ملتبسة تجلت في ديماغوجية مركبة ومعقدة صممت للتسليم بها حصراً.

ميزة الوصاية الفكرية أنها تؤسس لنشوء نخبة قليلة متسلطة، قد تكون معدودة على الأصابع أو شخصية فردية واحدة. وهي أداة لتحصين الأفراد والرعية السياسية أو الدينية ومنعهم من الانفلاش نحو الطرف الآخر بكل مدلولاته الفكرية. كما استخدمت للمحافظة ليس فقط على الكيان السياسي أو الديني والاجتماعي بل وحتى الكيان الاقتصادي وضمان تداول رأس المال الذاتي ودورته ضمن نطاق هذه الوصاية الاجتماعي والجغرافي.

إن الوصاية الفكرية تشتمل في الواقع على حالات عدة، ويمكن عموماً تعريفها على أنها تحديد أفكار وآراء وعقائد وإيديولوجيات معينة، تفرض من قبل جهة ما على شريحة أو فئة معينة من الأشخاص للتعامل معها وبها حصراً. يندرج ضمن ذلك تعريفات عدة منها:

- أن تقوم سلطة معينة دينية كانت أم سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية، بوضع تصورات معينة تلزم المجتمع والأفراد أو قسماً منهم بتطبيقها واعتمادها في جوانب حياتهم المتعلقة بها.

- أن تقوم جهة ما ذات سلطة، بمراقبة تصرفات الناس أو المجتمع من دون أن تفرض عليهم أفكاراً وإيديولوجيات معينة، و لكن لا تسمح لهم بالدخول ضمن نطاق آراء وأفكار وعقائد معينة قد تكون سلبية أو إيجابية.

- أن تقوم جهة ما ذات سلطة، بوضع تفكير وآراء الأفراد ضمن حيز ضيق نسبياً بغض النظر عن طبيعة ومضمون هذا المجال وبغض النظر عن طبيعة ومضمون ما هو خارجه.

- أن تقوم عادات وطبائع وأعراف تراثية اعتبارية غير منظمة ولا محددة التكوين والهوية والمنشأ، بفرض نفسها كوصاية فكرية ضبابية غير محددة المعالم والأطر وبغض النظر عن سلبياتها أو إيجابياتها أو فائدتها وضررها.

أمام هذه التعاريف المحددة للوصاية الفكرية تبرز الوسائل أو الآليات التي يعتمدها أرباب وأصحاب الوصاية الفكرية. وهي على قدر تعدد أنواع الوصاية الفكرية كاعتماد الإكراه والإجبار تحت طائلة استخدام القوة والعنف المادي الجسدي أو الضغط الاقتصادي أو اعتماد الإكراه المندرج ضمن نطاق الإساءة المعنوية والاعتبارية أو الاتهام بصفات سلبية أو التعرض لعقوبات إلهية عاجلة كانت أم آجلة.

الوصاية الفكرية تقتضي دائماً وجود فئة أو جهة معينة تمتلك صلاحيات كبيرة وسلطة قوية لفرض هيمنتها الفكرية وآرائها العقائدية على شريحة معينة من الناس تمتد حسب قوة هذه السلطة الوصائية ومقدرتها على الانتشار جغرافياً، سواء بوسائل عسكرية أم بوسائل تبشيرية. ولا يتحقق مفهوم الوصاية الفكرية إلا بشرط الارتهان فكرياً وذهنياً من قبل الشريحة المتلقية لهذه الوصاية سواء بشكل طوعي أم قسري مقتنعة كانت أم غير مقتنعة.

إن فكرة الوصاية بمعناها المجرد، تعني أموراً عدة تندرج جميعاً في إطارها. فالوصاية تعني المسؤولية بالنيابة عن شخص أو مجموعة أشخاص في التصرف والقيام بأعمال معينة نيابة عنهم بحكم كون هؤلاء الأشخاص غير مؤهلين للقيام بهذه الأعمال، كعدم بلوغهم السن القانونية أو الشرعية التي تخولهم القيام بتلك الأعمال، وإما لخلل في قدراتهم العقلية يمنعهم من ذلك ما يستوجب أيضاً وجود أشخاص قيّمين عليهم وعلى تصرفاتهم ومنعهم من القيام بأي عمل يشكل خطراً على المجتمع والآخرين، وإما لقصورهم عن القيام بأمر معين مما يستوجب القيام به من قبل أشخاص آخرين نيابة عنهم.

الوصاية تستوجب الرقابة أيضاً على الأشخاص الواقعة عليهم تلك الوصاية وما يصدر عنهم من تصرفات أو أقوال قد لا تتفق مع غاية الوصاية التي فرضت عليهم، بغض النظر عن شرعيتها من عدمها، فالشخص الموكل إليه الوصاية والذي يعرف بالوصي، هو شخص مسؤول تجاه الأفراد الخاضعين لسلطان وصايته. و هم ملزمون بالخضوع لأوامره والاستجابة لآرائه وأفكاره وتقديراته تجاههم. فهو الذي يقرر لهم ضمن حدود قريبة أو بعيدة، ما سيفعلونه. فالمفترض العام أن الوصي أدرى بمصلحة الموصى عليه و يعمل لمنفعته و لأجله. و طبقاً لذلك فكل تصرف يقوم به الوصي هو لفائدة و خير الموصى عليه أو لمنعه من القيام بعمل قد يؤذي نفسه به.

إن الوصاية الفكرية التي سيطرت في فترة من فترات التاريخ على مجتمعاتها وطوائفها وفرقها، لم تكن بحاجة ماسة إلى اعتماد منطق العقل والمصداقية لتثبيت وجودها بل كانت تعتمد في أكثر الأحيان على حالة الجهل النسبي الشائعة في المجتمع والأفكار الميتافيزيقية الغيبية التي تبثها في عقول أتباعها والخاضعين لسلطانها. والعلاقة الجدلية هنا بين الوصاية الفكرية وعدم ضرورتها للمرتكزات المنطقية، تلعب فيها طبقة العوام دوراً كبيراً. والمفصل الجوهري هنا هو قناعة الطبقة العامة بما تنثره وترميه لهم نخب الوصاية الفكرية من أفكار ونظريات من المؤكد أنها لم تخل من سمات إيديولوجية معينة. والإشكالية الكبيرة هنا هي ليست بالمقدار الكمي والنوعي لنسبة المنطق والمصداق العقلي التجريدي في هذه الأفكار أو الإيديولوجيات، بل بمقدار نظرة العامة إليها واعتبارها منطقية ومقبولة، وهي القضية الجوهرية في هذه العلاقة. هنا يمكن لقضية أو وصاية فكرية لا تمتلك أدنى مقومات المنطق والعقل، وتنتهج منهج الخرافة أن ينظر إليها أتباعها ومريدوها كقمة العقل والمنطق.