المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نزار يوسف Headshot

مثقفُ السلطة فيما مضى

تم النشر: تم التحديث:

من الثابت تاريخيًّا أن السلطات الحاكمة بدءًا من الحضارات البشرية الأولى إلى الآن، قد أفرزت من لدنها واصطنعت لنفسها أيديولوجيات خاصة بها وثقافات تتعلق بها وتتمحور حول آثارها السياسية وحتى الدينية والاجتماعية. فقد كانت السلطة الحاكمة هي صانعة الإيديولوجية والثقافة سواء بشكل مباشر أم لا. والأمر برمته منوط بخصوصية السلطة وطبيعتها. فإذا كانت السلطة تدّعي أنها آلهة أو وكيلتها (ملكية مطلقة)، فمن المؤكد أنها ستكون صانعة الإيديولوجية والفكر والثقافة المرتبطة بها حصرًا. وهو أمر كثر تجليه في الحضارات القديمة، كميزوبوتاميا (العراق) ومصر الفرعونية. لكن في مصر الفرعونية كانت مفاعيله أقوى مما في بلاد الرافدين. فالفراعنة (مدّعو الألوهية) هم الذين نشروا أفكارهم و إيديولوجياتهم الخاصة بهم وصبغوها بصبوغهم وضبعوا بها شعوبهم. فكل ما ينتج من فكر وثقافة، يكون سابحًا في فضاءات السلطة والسلطان. يضاف إلى ذلك أن التركيبة الاجتماعية في تلك المجتمعات قد أسهمت بشكل واسع في تعميم ثقافة السلطة الحاكمة والتي سنصطلح تسميتها (ثقافة السلطان).

إذن فتركيبة النظام هي: نظام الملك الإله - نظام المعبد التابع له - نظام المجتمع الذي على دينه - نظام العبيد الخاضع و المملوك له. وهنالك نمط ثقافي واحد سائد في المجتمع، و إن غلب عليه الطابع الديني، ولا مجال لأية تعددية ثقافية فكرية إلا ضمن تلك المنظومة السلطانية.

وما عزز هذا الوضع، أن الفكر الديني الوثني الطاغي آنذاك، كان يجعل من حالة أو مفهوم (الملك الإله) أمرًا طبعيًّا اعتياديًّا مقبولًا يحمل صفة المنطقية العقلية، لدرجة أن غير ذلك، يصبح مستهجنًا مرفوضًا بالعرف الاجتماعي. وقد عبّر القرآن الكريم عن هذه الحالة أو الظاهرة، بتصوير الحادثة التي يقابل بها النبي موسى فرعونَ ويدعوه إلى الإيمان بالله رب العالمين، فيبادر فرعون متسائلاً بدهشة {قَالَ فِرْعَوْنُ وَمَا رَبُّ الْعَالَمِينَ} [الشعراء : 23]. هو قال: ما رب العالمين ولم يقل: من رب العالمين. (من) هي للاستعلام عن شخص، بينما (ما) استعلام عن مفهوم وفكرة غير معلومة. يعني ببساطة، الرجل قد استعصى عليه المفهوم، وكأنه يقول: ما معنى رب العالمين؟! وهذا يدل على غياب المفهوم كلية عن فرعون الذي هو رأس الهرم السياسي الديني.

والسؤال الذي يُطرَح هنا: إذا كان هذا قد غاب عنه هذا فما بالنا بالذين هم أدنى؟!.

فإذا كان السلطان هو صانع الدين والفكر والثقافة، ومن رحمه ومنظومته تخرج المنظومة الفكرية الشاملة فهذا بكل بساطة يعني أن المثقف والمفكر في تلك الحضارات هو مثقف السلطان، شاء أم أبى، درى أم لم يدرِ، أعجبه ذلك أم لم يعجبه. حتى لو حاول وجرب النفاذ من أفكار هذه المنظومة، لما استطاع ذلك، ليس هذا فقط، بل هو لا يعي حتى، وجود منظومة فكرية أخرى غير هذه المنظومة، حتى يفكر بالفزع إليها ويترك منظومته الأولى. إذا كان ربه وإلهه هو نفسه لا يعرف ذلك وقال متسائلاً باستغراب: ما رب العالمين؟!.

إذن يصح القول: إن الشكل السائد للمثقف الأول في الحضارات البشرية كان مثقف السلطة والسلطان.

في فترة الجاهلية وصدر الإسلام وما بعد، برز مثقف السلطة والسلطان، بصورة الشعراء. وظهر حصرًا من خلال التناقض الذي كان يعتمل في صدر العربي اتجاه السلطة والمُلكْ. فهو الذي كان يأنف من نظام السلطة والملُك ويتمرد عليه ويثور في وجهه وينقلب ضده لأتفه الأسباب وأقرب الفرص، ويهجوه هجوًا لاذعًا في أشعاره ليحط به إلى الدرك الأدنى ويجعله أسفل سافلين.

لكنه هو الذي كان في الوقت نفسه يشتهي هذا النظام ويتملقه ويمدحه في أشعاره رافعًا إياه إلى المراتب العليا جاعلًا إياه في أعلى عليين، واسمًا أشخاصه واصفًا إياهم بصفات الخوارق الطبيعية واضعًا إياهم في مرتبة أعلى من مرتبة البشر ممجدًا بطولاتهم الفوق طبيعية مبررًا لهم أعمالهم وصنائعهم.

لقد اشتهر فطاحل الشعراء في الجاهلية بكونهم شعراء سلطان أيضًا. ومن الشعراء هؤلاء (الأعشى - النابغة الذبياني - الحطيئة - طرفة بن العبد.. إلخ) الذين كانوا يتكسبون من الشعر ويأخذون الصلة والعطاء من الملوك. وبدورهم استجلب الملوك هؤلاء الشعراء واستقدموهم لإيوانهم وحضرتهم. فكانوا يدنونهم ويجزلون لهم الأعطيات كونهم كانوا يدركون تمام الإدراك ما للشعر من تأثير في نفوس العرب قبائل وأفراد، ومدى انتشاره في البوادي والقفار.

لكن بالرغم من ذلك كله، فإن مثقف السلطة في الجاهلية، كان بنظرنا، يمثل حالة شاذة لا يُعتد بها، ولا يمكن اعتبارها من ضمن المنظومة الفكرية لمثقفي السلطة الافتراضية كما هو الآن، وذلك لأسباب عدة منها:
ـ عدم سواد الأمر السياسي بعواهنه ومقوماته الافتراضية في المجتمع الجاهلي، والافتقار إلى منظومة سياسية شاملة متكافئة مع ما هو الحال عليه في الدول المجاورة. فنظام الملك المتعارف عليه مجازًا في تلك الفترة، كان أشبه بنظام قبلي منه بنظام مُلك سياسي. فهؤلاء الملوك المزعومين كانوا في أحسن الأحوال، مجرد رؤساء لأمهات قبائل تضم إليها بطون وأفخاذ مرتبطة بها. وليس لأنظمة سياسية متقدمة كالفرس و الرومان.

ـ تزلف الشعراء وأضرابهم، لهؤلاء الملوك، لم يكن من منطلق الدعاية لإيديولوجية عقائدية، بل كان أعلى سقفه لأغراض الفخر القبلي والحصول على المال والأعطيات من نوق وإبل وأموال وغيرها. فضلاً عن أن الشاعر في معظم الأحوال كان يحافظ على كرامته أمام ممدوحه وأحيانًا يفخر بنفسه أمامه.

ـ قصائد المدح المبالغ فيها، كانت غالبًا في حضرة الممدوح وليس في غيابه، فما أن يغيب الشاعر عن ناظري الملك أو صاحب الرياسة ويغادره، حتى ينسى كل ما مدحه به، وأحيانًا ينقلب عليه ويسبه ويهجوه بألفاظ لاذعة مقذعة، يصل في بعضها إلى انتهاك العرض (معنويًّا) وهي قضية تفقد مفهوم (مثقف السلطة) مصداقيته ومقوماته الكاملة.

هذه الصورة لمثقف السلطة البدائي، تطورت في العصرين الأموي والعباسي وما بعدهما حيث أضحى هنالك نظام سلطة وسياسة، ومنظومة كاملة مرتبطة بهما. فتطور مفهوم مثقف السلطان وأصبح يشكل كيان ومنظومة خاصة به أكثر تعريفًا حتى لعامة الجمهور. وظل مقتصرًا على الشعراء الذين شكلوا ما يسمى (شعراء السلطان). كيف لا وقد وطد السلطان سلطته من خلال صراعه مع خصومه، وانتصاره عليهم بشفار سيوفه ونصال حرابه وسنابك خيله. ولم يصل إلى سلطانه هذا وخلافته تلك إلا بعد أن اعصوصبت الحروب واشتدت الدماء بينه وبينهم. فقد رأينا كيف أن الأمويين لم يصلوا إلى السلطة ويوطدوا سلطانهم إلا بعد حروبهم المضنية مع الطالبيين ومع الزبيريين والخوارج. كذا الأمر بالنسبة للعباسيين الذين لم تَؤُلْ الخلافة والمُلك إليهم إلا بعد ثوراتهم على الأمويين وحروبهم الطاحنة معهم.

إذن والحالة هذه كان لا بد لطبقة أو فئة ما يسمى (شعراء السياسة) أن تختار أحد الطرفين، إما طرف السلطة فيمثلون (شعراء السلطان) وإما طرف المعارضة. وبالتالي لا بد لهم والحال هذه من تبنّي مفهوم الطرف الذي ينتمون إليه وفكرته وإيديولوجيته وسياسته، ويهاجمون الخصوم السياسيين، ويتحملون نتيجة مواقفهم تلك وتبعاتها.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.