المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نزار الدقر Headshot

الانتحار فقراً.. ترفاً.. شهرة.. مللاً.. ضعفاً.. قناعةً

تم النشر: تم التحديث:

بين الفلسفة والعقل والدين ونمط الحياة وظروفها مفرطةً بالقسوة والبؤس كانت أو بالراحة والترف، يدور السؤال عن الانتحار ودوافعه ومبرراته وأحقية مرتكبه أو جسامة الخطأ بفعله، والإقدام عليه، وما وراء هذا الفعل وعمق دافعه.

انتحر لغةً من النّحر، والنّحر أسفل الرقبة، والنّحر جزُّ وحزُّ الرقبة بسكين حادة أو ما شابه، واصطلاحاً وعُرفاً أن يُقدِمَ الشخص على قتل نفسه.

أشهر مَن أقدم على الانتحار:

من القادة زنوبيا وأنطونيو وكليوباترا وجوزيف غوبليز، ومن المشاهير داليدا وروبن وليامز وفان كوخ وأرنست هيمنغواي، ومن الأثرياء المشهورين كريستينا أوناسيس ابنة الملياردير اليوناني الشهير أوناسيس، وهناك من حاول أو يحتمل أنه مات منتحراً أمثال هتلر ونابليون وسعاد حسني ومارلين مونرو وبريجيت باردو وغيرهم كثير.

وتتعدد الرؤى بين الفلسفات والأديان وبين العُرف والمنطق والعقل وبين العدميين والمتشائمين والعبثيين من المفكرين والفلاسفة، فالأديان بعمومها كالإسلام والمسيحية تحرم ذلك الفعل، وتقول بعدم جوازه؛ لأنه تدخُّل في المشيئة الإلهية والغاية والحكمة المُشَاءة للمخلوق لتحقيق المراد في عالم أبدي أُخروي في حياة تالية للموت الطبيعي.

ومصير مرتكب الانتحار هو الحياة الأبدية في الجحيم، وفاعله آثم، ومرتكب للخطيئة، وكذلك الأمر في الهندوسية واليانية، بحيث يعتبر مخطئاً، ويُنظَر لفعله بالعبوس والنفور، باستثناء طقوس محددة كإفناء الجسد صوماً زهداً بالحياة، وعندما لا يكون لديه مسؤوليات أما طقس (ساتي) انتحار الأرامل، حيث تحرق الزوجة نفسها طوعاً عند موت زوجها إخلاصاً له، والانتحار الجماعي عند الهندوس أيضاً لزوجات القتلى في الحروب عند الهزيمة منعاً لهتك طهارتهن، ونبقى في آسيا ففي الحرب العالمية الثانية ظهر طيارو الكاميكازي الانتحاريون حيث كانوا يصطدمون بطائراتهم المحملة بالمتفجرات والطوربيدات والمليئة بالوقود بسفن الحلفاء بهدف تدميرها، وهنا واجب وطني أخلاقي يتقاطع مع الانتحار بالطريقة، وهي الجود بالنفس لغاية الدفاع عن الوطن، وقديماً في اليابان اشتهر مقاتلو الساموراي العتيدون الذين لا يقبل كبرياؤهم أن يجرحوا أو يشارفوا على الموت هزيمة فيميل أحدهم بصدره على سيفه، فيخرج من ظهره فيموت، وفي تاريخنا سمعنا عن فرسان في تاريخ العرب أقدموا على فعل مشابه، وسمعنا عن زواج النخب الذي عرف في الممالك العربية القديمة كتدمر وإيبلا والبتراء، وهو أن يطلب المحب محبوبته التي رفضت الزواج به علناً أمام الملأ للزواج، واضعاً نفسه تحت حائط منزلق من المسامير، فيسأل الكاهن محبوبته أو مَن يحب هل تقبل الزواج به، فإن رفضت قضى نحبه تحت ذلك الحائط.

أما عن الفلاسفة فالواجب الذاتي عند أوغست كان يرى في الانتحار تخلياً عن الوظيفة المناطة بالفرد حين وجد، واستسلامه بل اعتداءه وانتهاكه للسيرورة وتعديه على ذاته والناموس الوجودي، بخلاف المتشائمين من الفلاسفة كألبير كامو الذي يقول: لا توجد إلا مشكلة فلسفية جادة حقيقية ألا وهي الانتحار، نقصد بذلك ما يلي:
هل تستحق الحياة أن تعاش أم لا؟ الإجابة عن هذا السؤال تعني الإجابة عن المسألة الأساسية للفلسفة.

أما الفيلسوف التشاؤمي شوبنهاور، فيرى أن الحياة كلها بل الوجود كله مشقات وأحزاناً وليس في الوجود كله خير قط، ولا يعرف معنى السعادة، وأقصى ما يُتصور من خير في الوجود أن تقل شروره نوعاً أو تقل آلامه هوناً الشر والشقاء والتعاسة هي جوهر الحياة وحقيقة الوجود، وهذه الأشياء هي الجانب الإيجابي في الحياة.

أما ما يسمى بالسعادة أو اللذة أو الخير أو غير ذلك، فليست أموراً إيجابية بل هي أمور سلبية، بمعنى أن السعادة ليست إلا سلب الآلام واختفاء الشقاء أو التخفيف منه قليلاً، ومن ثم فلا وجود لشيء اسمه سعادة أو لذة، لكن هناك شقاء وتعاسة وآلام قد تكون شديدة، وقد تخف قليلاً أو كثيراً، فيسمي الناس هذه الحالة سعادة أو لذة، وبناء عليه فإن الفيلسوف يدعو إلى نبذ الحياة ويرغب في الانتحار تخلصاً من شقاء الحياة وشرورها ويدعو إليه، فيبين أن الموت في ذاته لا يسبب للإنسان ألماً قط، ولكن الناس يتألمون من فكرة الموت أكثر مما يتألمون من الموت نفسه؛ لأن الإنسان لا يلتقي بالموت أبداً، فكيف يتألم منه؟

إن الإنسان طالما هو حي لم يمت وهو لا يرى الموت، ومن ثم لا يتألم منه، فإذا ما انتحر الإنسان ومات، فإن الموت حين يجيء يكون الإنسان قد ذهب واستراح من شقاء الحياة وآلامها وتخلص نهائياً من الإرادة العمياء الشريرة التي لا عمل لها إلا ترغيبه بالحياة وإغرائه بها ليظل يُصلى شقاءها وآلامها.

أما فرويد فيرى أن الذهان العصابي أو الجنون هو فقدان القدرة على الحب بما فيه حب الذات، وعن ذلك تنتج الرغبة بالانتحار، ويقول كافكا الروائي الذي حاول الانتحار عدة مرات: إن الانتحار هو الحل الوحيد الممكن.

هذه لمحة عن الآراء والرؤى والأفكار والشرائع فيما يخص الانتحار، أما عن القوانين فنذكر أن معظم الدول الغربية كانت تُجرّم مرتكبه ومن يكون شاهداً عليه وحالياً لم تعد تجرم الانتحار، بينما بقيت بعض الدول الآسيوية تجرم هذا الفعل.

ونذكر هل هو تمرد على الناموس الأعلى للوجود أو هو تمرد على النظام العالمي الاقتصادي والسياسي الذي خلق منظومة حياة الفرد وسلسلها ورسمها بحذافيرها أم هو نكوص أو إحجام أمام الذات في واجبها بالاستمرار، كما أن الحياة هي للأصلح والأقدر على التكيف والمكافحة في الاستمرار، كما يرى داروين في دراساته الأحيائية، وتتعدد التفاسير عن دافع المنتحر في الانتحار من النفسي إلى الاجتماعي إلى ظروف الحياة الصعبة إلى ضعف الثقة، وإلى ضعف الإيمان واليأس من الرحمة، والشك في الحكمة المرادة الماورائية وغير المدركة وصولاً للفلسفات التي تقول بأن الإنسان وجد قبل يولد في عالم سابق، وما الحياة الحالية إلا فرصة لتعويض فشله وإخفاقه ودنوه في حيوات سابقة، وهو اليوم في فرصة واختبار للارتقاء وإثبات سمو ذاته، ويبقى السؤال دائراً: هل يحق له التفرد والاستقلال والحرية بذاته وفي إنهائها متى شاء سائماً من سير الحياة كما يحصل مع المشاهير والأثرياء ومواطني الدول ذات الرفاهية العالية اسكندنافيا مثلاً أو منهزماً من مواجهتها وقد ركن للضعف وسلّم له؟ أم أن الواجب يقول بمواجهته ودفاعه واستمراره ومكافحته وتكيُّفه ليحقق الغاية العليا من وجوده بقدرات خاصة به عليه توظيفها في عراكه اليومي مع صعوبات الحياة؟ أم عليه التسليم والإيمان بالغاية والحكمة الماورائية والطمع بالمرتبة الأخروية في عالم لاحق والتخلص من يأسه وضعفه؟

وهل تكون هناك طرق للخلاص كالاضمحلال والتلاشي والتحول لنجمة وامضة في جبين السماء أو الانعتاق والتشكل بوجود ألطف كزهرة أو فراشة أو حتى شجرة؟! أو كما تقول الحكاية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.