المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نسرين عيسى Headshot

"ماذا سيقول عني المجتمع؟".."عشان بس تتزوجي".. هذه الأقوال تحكمنا أيضاً في الغرب!

تم النشر: تم التحديث:

حدثتني قريبتي -وهي معلمة في إحدى المدارس العربية بأميركا- أن أُماً أميركية الأصل كتبت في خانة الأهداف المرجو من المدرسة أن تعلمها لطفلتها: "أريد أن تتعلم كيف تصبح زوجة مطيعة". حدثتني عن الموقف وأنه بمثابة دعابة سنضحك عليها، لكن للأسف هي ليست نكتة الموسم لنضحك ويمر الموضوع هكذا.

نقلتُ ما سمعت لأمي بانبهار وامتعاض شديدين، كيف لأم أن تسعى بكل طاقتها لزرع هدف مثل هذا في رأس ابنتها التي لا تتجاوز الخمس سنوات، أي جُرم هذا!

هي تعيش في مجتمع أميركي وبيئة لا تعرف معنى التقاليد والعيب ونظرة "ماذا سيقول عنا المجتمع؟". إذاً، الخلل جاء من البيت نفسه، من العائلة نفسها، والمجتمع في هذه الحالة بريء.

إن الخطأ المتداول فيما بيننا هو كلمة "مجتمع"، و"بيننا" أقصد بها كل المجتمعات عامة وفي كل البلدان العربية خاصة. وفي الحقيقة، هم يواجهون دائماً مصطلح "مجتمع" كذريعة لتبرير العراقيل، وهذا سراب مُختلَق؛ فأنا تربيت في عائلة ولم أتربَّ في مجتمع، تربيتُ بمنزل ولَم أتربَّ في الشارع. وفي الحقيقة، كلنا هكذا والمجتمع لا علاقة له بنا لا من بعيد ولا من قريب، إلا من أراد لنفسه التأخر عن القافلة وظل مرعوباً يسعى لرضا المجتمع، الذي مهما فعل من أجله فلن يصفق له.

أنا تربيت في عائلة محافِظة، حتى بعدما تُوفي أبي عنا كانت أمي هي الأم والأب في آنٍ واحد، ولا أذكر أنني سمعت منها مصطلحات مشابهة لـ"عشان بس تتزوجي"، أو "افعلي هذا حتى تكوني زوجة مثالية"، أو حتى أن تعلمني الطبخ كي أكون زوجة "مِعَدّلة"، لم أذكر أنها دسَّت لنا مصطلح "المجتمع" في نقاشاتنا، فإن أَذِنت كان برضاها لا برضا المجتمع، وإن منعت كان اختياراً منها لا من المجتمع.

تربيت على الثقة بالنفس والقرارات الذاتية، التي قبل أن أتخذها أفكر فيما سيلحقه هذا القرار بي أنا من إيجابيات أو سلبيات ولا أفكر في المجتمع أبداً. عائلتي لا تمنع ولا تفرض الزواج عنوةً، تعطيني الأحقية في الاختيار والترك في حال شعرت بعدم الارتياح المُبرَّر، وتعطيني القوة التي تجعلني سيدة نفسي. فعائلتي، بقوامها الصحيح بعيداً عن المجتمع، لم تميِّعني ولم تجعلني أعاني فوبيا "ماذا سيقول عني المجتمع؟". أنا وكل الفتيات اللاتي تربين في عائلة لا في مجتمع، نتمتع بالثقة والقوة التي ربما يراها المحرومون "عيباً" وهم يحلمون برُبعها.

المجتمع احتل مكان الله في نظر الكثيرين!

الكثير من الذين تعرفت عليهم، كان ما يحدّهم ويصدّهم هو المجتمع لا الله، فأخذ المجتمع في حياتهم جُل المساحة وأفقدهم لذة الحياة ولذة الاستمرار في أهدافهم فظلوا حبيسي حدودٍ هم رسموها ولا صلة لها بالدين أصلاً، ظل الأب مقتنعاً بأن ظهور ابنته كإعلامية هو فجور وأمات طموحها في مكان يُسمى مطبخاً؛ لأن المجتمع أمره بذلك! أما عن الابنة التي صارحت أمها بأنها تريد ترك خطيبها، فقد أكلت صفعة على خدها وابتلعت جُملة أمها "شو بدك يحكو عنا الناس" وظلت تلعن الناس بقية حياتها.

الحرام والحلال هما القاعدة، والعيب لا مكان له إلا في عقول الرجعيين، العلم وصل إلى ما وصل إليه بواسطة رجال وسيدات وفتيات عربيّات وغير ذلك؛ عالمة إيرانية تسبح في عِلْم الفضاء وتطلق أسماء على النجوم، وآخر ما زال يصرخ في وجه أخته: "لا تحطي صورتك على فيسبوك".. أي هُراء، وأي عقل معجون بالجهل هذا!

وأنت تحاول فرض القواعد التي سمعتها في الشارع على أختك وابنتك، أنت بذلك تكون مُربياً شوارعياً؛ فأنت تخاف من الشارع أكثر من الله وتخاف من ألسنة المجتمع السليطة أكثر من مخافتك من تقصيرك في حقوقهم.

لا يُمكنك أن تضع إصبعاً عملاقاً على وجه الأنثى وتطمس الروح فيها وتنتظر منها أن تصير لك أختاً واثقة أو أُماً حنوناً أو زوجة مُحِبّة، لن تستطيع أن تُخرج منها معلمة ولا طبيبة ولا مهندسة ولا عالِمة ولا ربة منزل تتمتع بالثقة الكاملة. أطلِق سراحَها ودعْها ترى كُل الطُرق، فإن سلكَت الطريق السليم فهي تستحق لقب العفيفة وإلا فلا. إن أردت أن تكون أُنثاك تمشي ومخافة الله بين عيونها فانزع منها مخافة المجتمع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.