المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نسرين عيسى Headshot

رمضان في أميركا

تم النشر: تم التحديث:

وأنت تعد الأيام تنازلياً منتظراً شهر رمضان في بلدك العربي، نحن نعد الأيام أيضاً في أميركا، والفرق أننا نغمض أعيننا ونسرح في تفاصيله الروحانية التي نفتقدها نوعاً ما، فنتخيل أننا نسمع صوت أذان الفجر معلناً انتهاء السحور، وكأنه يصدح من مئذنة المسجد مباشرة، نتهافت في مخيلتنا لأن نسمع صوت أذان المغرب؛ ليبدأ التداعي الجميل من أصوات الأدعية وتناقل الأطباق وأصوات الملاعق على المائدة، معلنين بذلك دخول وقت الإفطار.

رمضان في أميركا ليس معتماً كما يظن البعض، فعدد الجالية المسلمة هنا كبير، وهممهم تشتد في هذه المناسبة، فترى المساجد زُينت بالعبارات الدينية والفوانيس وهلال رمضان كذلك البيوت، وإن دخلت على المحلات العربية ستشم رائحة رمضان لا محالة، فهذا يسأل عن سعر التمر، وهذا يقتني فيمتو رمضان المعروف، وآخر يشتري هلالاً يضعه على باب بيته، ستملك في آخر النهار مائدة رمضانية مهما كبُرَ أو صغُرَ حجمها ستظل تملك رونقاً خاصاً يليق برمضان.
إننا نحظى بقطائف رمضان مثل الجميع، الفرق أننا نعجنها ونخبزها في البيت، وكل هذا من أجل أن نمسك حبة القطائف ونستنشق رائحتها ونقول بالفعل نحن في رمضان.

في الدول العربية رمضان يصنع حضوره فهو غني عن التعريف، لكن عندنا الناس يصنعون له الحضور الَّذِي يليق بقداسته، فصدقاً لو لم يلقوا له بالاً من سيعلم بهذا الشهر الفضيل؟ وكيف سنشعر أننا في رمضان؟!

إن كنت من سكان أميركا الأصليين فلن تجد حرجاً في صنع فرحتك الخاصة في رمضان؛ إذ يمكنك أن تجتمع مع عائلتك وأقاربك إن وجد على مائدةٍ رمضانية وتحظون بما يحظى به أي مسلمٍ في بلد عربي، لكن إن كنت زائراً لأميركا وصادفت رمضان في زيارتك فلا تبتئس ولا تحزن، إن أردت ألا تخسر هذا الرمضان دون الشعور الروحاني، فعليك الذهاب إلى المناطق التي تكثر فيها المطاعم العربية كشيكاغو، واختر المطعم الذي تشاء وستجد رمضان هُناك، سترى المسلمين جالسين مثلك منتظرين سماع الأذان من سماعة المطعم؛ لتدب الحياة المفعمة بالحب والسلام، فالجميع صائمون، والجميع سيبدأون بدعاءٍ مع التمر والماء مثلك، ولن تشعر بانتقاص الشعور الذي كنت تظن أنك ستفقده لمجرد أنك في أميركا.

لقيام العشر الأواخر طعمٌ آخر، فلو ذهبت في هذه الأيام للمسجد في منتصف الليل ستجد هناك العابد الشاب والعجوز، ستجد الأم والموظفة والطالبة، كلهم تحت سقف العبادة إلى طلوع الشمس، المنافسة في رمضان لا نفقدها، فالكل يقسم الثلاثين جزءاً جاهدين ختمه أو أكثر، منهم من يتقن العربية ومنهم من لا يتقنها، لكن الكل يكون في صحبه القرآن، إن عمل الجالية هنا دؤوب، فَلَا يتوقف أبداً على مدار السنة، ويشتد أكثر في رمضان، فتبدأ الفعاليات في المساجد والمدارس العَربية من حلقات دينية وإفطارٍ جماعي وموائد خيرية، بل ومسابقات قرآنية، فيتنافس الصغير والكبير العربي والتركي والإثيوبي على نفس السورة، تعلو همم الأمهات فتعلو همم أطفالهن، نحن هنا نفعل كل هذا عن حب، ونزرع هذا الحب في صدور أطفالنا؛ ليظل رمضان مضيئاً حتى في الغربة.

رمضان هو التراويح، فبدون صلاة التراويح سيكون رمضان باهتاً، خاصة إن كنت في الغربة، هل تسأل نفسك عن لذة التراويح في أميركا؟! وهل تتساءل إن كانت تفرق عن التراويح في البلدان العربية؟
! أنا أقول لك: نعم إنها تختلف والاختلاف ليس سيئاً البتة، فكما أني عشت في أميركا عشت أيضاً في بلدٍ عربي، وكنت أذهب إلى التراويح وأشتاق أيضاً لهذه الأيام لصحبة المسجد والأصدقاء المعروفين ودرس التراويح من الشيخ المعين نفسه، التراويح في أميركا ستُشعرك أيضاً أنك في رمضان ولن تُنقص من حقك في هذا الشعور شيئاً، ستدخل المسجد وستراه مزيناً كما أنه يقول لك رمضان عندي فتعالَ، تُسلم على مَن فيه فتصافحُ الفلسطيني والسوري والهندي، ستَلقى ابتسامةً من بعيد سيكون صاحبها سودانياً أو ربما مصرياً، ستسمع "رمضان مبارك" من شخص باكستاني، ستشعر حينها أنك حظيت بكل الرمضانات في العالم محصورين برمضان واحد في أميركا.

رمضان هويتنا جميعناً أينما حللنا، وسنظل نبرزها في كل عام؛ ليعلم العالم أن رمضان عامر بِنَا، ونحن عامرون به.

#رمضان_في_مدينتي

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.