المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نضال خزندار Headshot

فريسة الحلاّق

تم النشر: تم التحديث:

منذ صغري وأنا أتجنب الذهاب إلى الحلاق، ليس خوفاً منه ولا كرهاً له؛ بل لأنني أحس بالملل بعض الشيء وأنا جالسٌ على الكرسي وأحدهم آخذ بناصيتي. وبما أنني عشت فترة من حياتي في بلدٍ متعدد الجنسيات، وكي أتجنب الإحساس بالملل وقت الحلاقة، فقد عمدت إلى فكرة جديدة وهي مراقبة تصرفات وحركات الإخوة الحلاقين مع اختلاف ثقافاتهم، وتدوين أساليبهم المختلفة وشخصياتهم المتباينة وهم يمارسون مهنتهم.

صنفٌ من الحلاقين يستمتع بالحديث معك، يبدأ قِصة بعدها قِصة، ثم حكاية ثم موقفاً ثم نكتة تليها عبرة وحكمة. تراه يسألك عن حياتك وأمورك الشخصية كأنه صديقٌ قديمٌ يلقاك بعد طول غياب! وآخر تراه صامتاً هادئاً، يسألك كيف تريد الحلاقة وما هي إلا دقائق حتى يقول لك: نعيماً، فتراه مركِّزاً في عمله مقطِّباً جبينه كأنه يكرهك ويكره هذه المهنة!

صنفٌ آخر من الحلاقين لديه من الدقة والتأني في العمل ما يجعلني أفقد صوابي. فوقت الحلاقة عنده غير محدد؛ لأن الحلاقة هي الطريق الأمثل والمتنفَّس الوحيد لإبراز مواهبه، فتركيزه في رأسي لا يحيد عنه، له نظرٌ كالصقر يستطيع أن يرى الشعرة النافرة فينقض عليها لينتزعها بمقصه الرشيق، وفي كرٍّ وفرٍ وإقبالٍ وإدبار، يقص الشعر ثم يتراجع خطواتٍ ليرى نتاج عمله من بعيد، هكذا حتى تكتمل لوحته الفنية على رأسي الذي تحمله رقبة تكاد تتيبس من قلة الحركة.

ولكنني وبكل صدق، أقول: احتمل هذا الانتظار الطويل بين يدي الحلاق إن كان الأمر في نهاية المطاف لا يحمل أي أذى أو ألم، ولكنني أجد صعوبة كبيرة في تحمُّل أحدهم وهو يقص شعري بمقصٍ غير حادٍ فينتزع الشعر انتزاعاً كأنه جلادٌ قد سلطه ظالمٌ عليَّ! أو أن يغسل لي آخر شعري بالماء ثم عندما يزيل المنشفة عن رأسي ووجهي، فإذا هو قد لبس قناعاً على شكل وحشٍ ليمازحني به، وقلبي كاد يتوقف من الفزع!

ويأتيني ثالثهم ليضرب مؤخرة رأسي بيده في صمتٍ مطبقٍ، لأكتشف بعد ذلك أنه يطلب مني أن أحني رأسي بكل خضوع للأمام ليقص شعر مؤخرة الرأس، وربما تلقيت ضربة منه من إحدى الجهات، ما يشير إلى أنه عليَّ أن أدير وجهي إلى الجهة الأخرى.

ويأتيني رابعهم حتى ما إن يكد ينهي الحلاقة حتى يشبك يديه بعضهما ببعض ويتنهد تنهيدة عميقة ثم ينهال بضرباتٍ ولكماتٍ على أم رأسي بحجة أنها مساج ما بعد الحلاقة، وأنا أصرخ وأتوسل إليه أن يوقف هذا التعذيب الذي سوف أدفع ثمنه كإكرامية بعد الحلاقة.

"فياله من درسٍ على الصبر! ويا له من متنوعٍ ومتناقضٍ ذلك المزاج البشري! فكلٌ له أسلوبه الذي يدل على شخصيته ونشأته وعاداته ومعتقداته".

ويبقى السؤال يراودني كلما يحين موعد الحلاقة، هذه المرة فريسة أي حلاقٍ سوف أكون؟

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.