المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نضال حمدي  Headshot

لماذا لم أكن أحب الله؟

تم النشر: تم التحديث:

الحمد لله أن الأمر لم يعُد كذلك الآن.. والحمد لله أن الله أرشدني إلى الطريق حتى أحبه؛ وأرجو أن أكون صادقاً في ذلك على كل حال، فالأمر ليس هيّناً بالمرّة، ولا أراه يصلح أن يكون محلّ مزح أو جدل عبثي.

في سنّ الطفولة عندما تبدأ بالكاد تدرك الأشياء، بينما تتراءى في خيالك كل التصورات المجنونة عن كل القصص والحكايات الطفولية متداخلة غير واضحة المعالم، لكنها صور ولوحات وأشياء وأشخاص وعالم في خيالك؛ إدراك طفولي بريء لكنه مؤثّر وصانع للشّخصيّة على أيّ حال.. فترى كل شيء شكلاً، حتّى الأفكار المجردة تستحيل صوراً وأشكالاً وأوثاناً.

الله كان وفق رواية الكبار في عائلتي كبيراً جداً مخيفاً جداً، يحرق المذنبين بالنار على الفعل الحرام ويعلقهم بسبب ذلك من أشفار أعينهم. بهذه العبارة كان يصور لي الله.. حتى تخيلته رجلاً ضخماً يشبه الغول أيضاً، ذاك الكائن المخيف والمقدّس في آن؛ لأنه صديق الظلام وأيقونة الأمن حتى لا نخرج في الظلمة أو نقترف خطيئة طفولية يعاقب عليها الغول.

أذكر جيداً تلك العبارة الشهيرة عندنا: "حرام، ربي يحرقك بالنار!"، توقفني لأنها عاقبة مرعبة، فأحزن وأخاف.. وأتخيل نفسي محروقاً والدخان يتصاعد من جثتي الصغيرة.

في الطريق إلى بيت جدي حيث توجد السوق والجلبة والجامع وحيث المدرسة مكان عمل أبي، كان يوجد خزان كبير للماء عند بئر عميقة حفرتها الدولة، وبنت أعلى بناية في القرية ذلك الخزان؛ والذي توجد داخل غرفة ملاصقة له محركات ضخمة تصدر جلبة كبيرة مرعبة أثناء عملها. يعمل في هذا الخزان الكبير رجل طويل بشوارب كثيراً ما يرتاد الجامع. وكانت هناك مدخنة كبيرة تنشر دخاناً أسود كلما عملت محركات الخزان الكبير.. لا بدّ أنّ الله يعلّق النّاس الذين يحرقهم هنا، أو لعله يباشر عمله داخل هذا المكان المرعب.. أو لعله سيقف بطوله الفارع وجسمه الضخم خلف هذا الخزان الكبير والعالي ليقوم بمهمته في عقابنا.

لم أكن أحبّ الله.. بل كنت أخافه وأرتعد من ذكره، رغم أنهم كانوا يخلطون ذكره بشيء من الطيبة، أنه هو صاحب القرآن، وأنّه هو صاحب الجامع الذي نفطر على آذانه في رمضان وننظر إلى صومعته بشغف في الشهر المعظم. لكن الله الكبير الذي خلقنا مستعد لحرقنا بالنار حتى نتفحم ويخرج الدخان الأسود من المدخنة بينما تصدر الأصوات المرعبة من داخل الغرفة الكبيرة المقفلة عند الخزان العالي، ذي الهندسة القبيحة أصلاً.
يا لها من ورطة.. إذن سأتحايل وأتناساه، وألتزم أوامر أمي، ولا يهم أأحببته أم لا. يكفي أن لا يعذبني..
ما أقساها من صورة!..

أما إذا غابت أمي وغاب الوعيد فأنا زنديق.. كل ذلك وأنا طفل ربما لم أتجاوز الخامسة.. أسرق البيض من الثلاجة ولا أخاف الله؛ لأن أمي لن تنتبه وبالتالي لن تخبر الله كي يعاقبني.. لم أكن أهتم، المهم أن أمارس هواياتي.

كنت أستيقظ عند الفجر وأرقب بشغف وصمت شروق الشمس وأرى ذلك الشكل الكروي البرتقالي في الصباحات الباردة، لكن الله لم يكن هناك ليحرقني.. الحمد لله..

تلك الذكريات لم تغِب عن ناظري وخيالي ساعة.. حتى اليوم أذكرها بخوف أن تقال لبعضهم وهم أطفال فلا يحبون الله..
وأخيراً وحتى أتخلص من كل هذا الرعب تناسيت الله وعشت حياتي.
لكن شيئاً ما يشبه كل الجمال والمحبة والطيبة والروعة ظل يلاحقني، اسمه الله أيضاً.. فكرة دافئة رقيقة عن رحمة فينا ومنا.. عن جمال ومحبة، تشبه صلاة أبي ووضوءه وتسبيح جدتي وحنانها ولطف جيراننا عندما يهدونني قطعة حلوى.. شيء من كل الصور اللذيذة المقربة إلى الروح.. شيء من الذكريات والأحلام العظيمة جعلتني لا أنسى الله رغم ذلك.. شيء ربما من القرآن والكتّاب والسكينة عندما دخلت الجامع أيضا.. شيء من نور تلك الشمس التي كنت ألاقيها وحدي بينما ينام الجميع.. شيء من الستر الذي أخفى به الله ذنوبي عن أمي فلم يسمح لها أن تجعله يحرقني.

لما دخلت الجامع بعدها بسنوات أحببت مكان السجود على السجاد ذي الملمس اللطيف.. وأحببت ذكر الله وقراءة القرآن، على أنني كنت أحتاج من الله أن يثبت لي محبته أيضاً، وأنه ليس فقط مستعداً لحرقي.. لم يأتِ ذاك الإثبات إذ تراجعت نتائجي الدراسية فعزا أهلي الأمر إلى مواظبتي على الجامع وتديني على صغر سني، ما يبدو غريباً مستغرباً.. فليست من عادات عائلتي، على الأقل في جيلي والجيل السابق.. وهكذا منعت من الذهاب إلى الجامع حتى أواظب على دروسي وحتى لا يراقبني النظام أيضاً.. فتناسيت الله مرة أخرى، وقلت في نفسي ربما هي فرصة لأعود إلى نتائجي الجيدة في الدرس. وعلى كل حال فهو لم يستجب دعائي، ويبدو أني من دون الدين أفضل.

أحد أصدقائي بعدها ببضع سنوات لاحقة أيضاً، وهو في مثل سني؛ كان يقرأ القرآن بصوت عذب وترتيل عجيب وكان يحفظ منه الكثير، بل كاد يتم حفظه.. في السادسة عشرة.. تصوّر.. وأنا؟ تارك لله وللصلاة وأرجو التوفيق.. قال لي صديقي: لا تعبده على حرف.. وما هو الحرف؟ وبدأت النقاشات.. ودمعت عيناي.. واكتشفت كم كنت غبيّاً. وقبلت أن تتراجع نتائجي الدراسية، فهو امتحان منه.. المهمّ أن أعرف كيف يقرأ القرآن وأنسى الله المعاقب لأكتشف الله المحبّ الذي يربيني بما يبدو قسوة أحياناً، لكنها محنة تحمل المنحة في داخلها.

وبدأت المغامرات والبحث عن الله، مرة بالإعجاز العلمي في القرآن ومرة بالتلذذ المصطنع أحياناً بوعظ الدعاة، ومرة بمناجاته، ومرة بترك الأمر برمته، حتى يضيق صدري فأعود وأعده بعدم الابتعاد مجدداً.

لا يكاد يمضي يوم حتى أكتشف أني ربما لم أكن أعرف عنه شيئاً.. وأني ربما عرفته بشكل مغلوط، أو بإدراك غير مكتمل، أو بمحاولة إقناع لنفسي بالقوّة حتّى..
ثمّ تعرّفت على إله يحب من عباده القتل وسفك الدم والتكبير على ذلك، في سبيل الجهاد وإعلاء راية الحق والتوحيد.. وعاد مخيفاً يشبه إله الطفولة.. لكنه هذه المرة بيقين من "الإخوة" أني على المنهج، فمتى سئلت أين الله؟ أجبت بكل ثقة: الله في السماء.. ومتى سئلت: لماذا بُعث محمد والمسلمون؟ أجبت بكل ثقة: لإعلاء راية لا إله إلا الله محمد رسول الله ومحاربة المشركين والكافرين واسترداد حقوق المسلمين و... و....

المهم أنها كانت فترة من الوحدة والاضطراب.. واختفت المناجاة ليحل محلها الدعاء بصوت عالٍ أحياناً والتباكي إن لم يأتِ البكاء.. والتفكير الدائم في الموت.. فالحياة عادت كئيبة والله ما عاد طيباً مرة أخرى.. وهو في السماء مستو على العرش بكيف مجهول و... و... وينتظر مني مزيداً من العنف الفكري وتحويله إلى عنف مادي، إما بتفجير نفسي أو تفجير بعض الكافرين أو حتى أهلي من غير المدركين لعقيدة التوحيد الصافية النقية...

تبّاً.. حتّى أيّامها وأنا السّلفيّ الجهاديّ لم أكن أحبّ الله.. بل أرجو أن لا يعاقبني على تقصيري في طريق الدعوة إليه واتباع سنّة نبيّه وإقامة التّوحيد ومجاهدة نفسي جهاداً أكبر أو أصغر لا يهم.. المهمّ أنني لا بدّ أن أفهم أن الحياة قاسية، وأن الله لا يلهو معنا ولا يريدنا ضاحكين ولا لاهين ولا عابثين ولو هنيهة، وأنّ سمة المؤمن كثرة الحزن والجدّيّة والقسوة..

دعوني أكن أصدق، الأهمّ في ذلك كلّه هو التخلّص من حياتي؛ لأنّ الله لا يريدني سعيداً في الحياة، وقليل من سينجو من عقابه..
هو هو إذن.. الله الذي يعاقب..
آه، كم كانت تلك الأيام مؤلمة، وكم استنفدت من جهدي حتى تخلصت من علاقتي بدين لا يحبّ الحياة.. وعلاقتي حتى مع تصور للإله القاسي الصعب الذي يغضب ويتوعد ويسارع بالعقوبة ولا يرضى مني أن أكون أنا..

كانت أياما قاسية.. تجرأت أن أقول، إن ذلك لا يعجبني، وأنا المؤمن لا أرى الله كذلك. واكتشفت أني ربما قد تكون لي نسختي الخاصة من التصور عن الله ومن التصور عن الدّين. وقلت في نفسي: قد لا يكون الابتعاد عن الله ضرورياً، أو عدم محبته ضرورية حتى أرتاح. لماذا لا أعرف إلهاً أرتاح معه؟ إلها ًلا يخيفني ولا يرعبني، ويقبلني كما أنا..
استمعت لدعاة جرأوني على التفكير وكسر الأصنام القبيحة التي سموها زيفاً الله.. أصنام جعلتني أعيش السنوات الخداعات والفتن كقطع الليل المظلم.

الله هو كل الجمال.. الله هو كلّ المحبّة.. الله هو كلّ الطّيبة.. الله هو كلّ العظمة.. الله هو كلّ ما يكفينا..

تيقنت أني كنت والكافرون على نفس الدرجة عندما صدقت ما وجدت عليه آبائي.. لكن هل يكفي ذلك؟ أعتقد أنه لا يكفي، لا بدّ أن نعي أيضاً أن النسخ الموجودة عن الدين والتصورات المتداولة عن الله تكاد تطمس الحقيقة وتضيع الإيمان..

يقول لي أحدهم: أصبحت أشك في وجود الله. فأسأله: لماذا؟ فإذا هو أسير كلّ التصوّرات المقلوبة عن إله خلقنا ليراقب أفعالنا بصرامة وشدة.. إله مستعد لعقابنا كل لحظة.. بل وهو يفرض علينا الإيمان فرضاً، ولا يسمح لنا بالانعتاق من إسار المعتقدات المتلقاة في الصغر، وإلا فهو الكفر والزندقة.. لكن ..صديقي هذا يعرف على الأقلّ أنه لو كان هناك إله لكان عنواناً لكل الجمال وكل الروعة وكل الحياة وكل الرجاء وكل التوفيق.

هل يريدنا الله أذلة عمياناً صماً مطيعين مقلدين؟ إذن لماذا خلقنا فرادى بعقول متفردة وإرادة كاملة؟ هل يريدنا للعقوبة؟ إذن لماذا كان كل هذا الجمال في الطفولة والبراءة مثلاً؟ لماذا كل هذه الألوان في الكون؟ لماذا كل هذه السعة والرحب في الفضاء؟ لماذا كل هذا الإتقان في الخلق؟ لماذا كل هذا التودد بالرزق والإطعام والعناية والشفاء من المرض؟ لماذا كل اللطف والرحمة؟ إذن لماذا كل شيء؟

وإن كنت أحمد الله على ما أجده به ومعه، غير أني أعلم أيضا أني مقصر جداً في حق نفسي، وهو ما يفيد تقصيري في جنب الله. أصبحت أعلم أن ذلك لا يضر الله شيئاً، بل من حرصه عليّ جعل تقصيري في حق نفسي تقصيراً في جنبه سبحانه.. يكفي تغيير الزاوية، من الجحود والمقاومة والرفض إلى القبول والرضا والعرفان.. حتى يعي المؤمن أنه خلق للسعادة والحياة، لا للشر ولا للشقاء..

وكما أني أرضى بمواصلة الحياة، بل وأتطلّع كلّ يوم إلى الذي يليه آملاً وراجياً ما هو أجمل، فإني آمل وأتطلّع إلى اليوم الذي يلي موتي كتواصل لعلاقة رجاء ويقين في الأفضل ممّن له وبه الخير المطلق.

بين الله الذي لم أكن أحب، وحاشا أن يكون الله.. بل مجرد تصور طفولي غبي أسهم في صنعه العائلة والمجتمع؛ وبين الله إلهي الذي أؤمن به باختيار ويقين، تمنيت أحياناً لو لم أعرف الأول.. لكني أذكر فأقولها لعله درس حتى أعرف فضل الله الحقّ.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.