المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

Niall Ferguson Headshot

اللعب بالصبر بينما سوريا تحترق

تم النشر: تم التحديث:

في إنكلترا تشتهر لعبة Solitaire باسم آخر هو "الصبر". ولمن لا يعرف هذه اللعبة يقوم لاعب واحدٌ بخلط مجموعة من أوراق اللعب (الكوتشينة) ووضعها مقلوبة على ظهرها على المنضدة، ثم يحاول قلبها واحداً تلو الآخر وإعادة ترتيبها منتهياً بأربعة أعمدة بواقع عمود لكل نوع بطاقات وحيث تتدرّج البطاقات ترتيباً من الآس إلى الملك.

لم أفهم يوماً في حياتي لِمَ يضيع البعض وقتهم في لعبة كهذه بدلاً من شغل وقتهم بقراءة كتاب جيد مثلا - أو حتى كتابٍ سيء، لكن لعبة "الصبر" هذه هي التي خطرت في بالي في وقت سابق هذا العام غداة أعلنت مستشارة أوباما للأمن القومي، سوزان رايس، عقيدة السياسة الخارجية الجديدة في إدارة أوباما - ألا وهي "الصبر الاستراتيجي"، فمنذ اندلعت الحرب الأهلية السورية في مارس/آذار 2011 ورئيس رايس يبدو أشبه برجلٍ ضجرانٍ يلعب لعبة الصبر يرتب البطاقات إلى ما لا نهاية دون كلل بل و حتى من دون التوصل إلى الترتيب الصحيح.

المشكلة في سوريا معضلةٌ حقيقية، فلا يَظنّنّ البعض أنها سهلة الحل أبداً، وكما قالت مندوبة الولايات المتحدة في الأمم المتحدة، سامانثا باور، في عبارتها الشهيرة: إنها "مصيبة من جهنم"، فهناك العديد من القِوى المتحاربة في البلاد التي باتت على شفا الانقسام دون رجعة إلى 4 دويلات مستقلة على الأقل، والولايات المتحدة ليس القوة الخارجية الوحيدة التي حاولت التدخل في النتائج، بل كذلك فعلت روسيا التي صعّدت كثيراً من تدخلها في الأسابيع الفائتة، وكذلك تدخلت تركيا وإيران والعراق ودول الخليج.

لكن مع كل تعقيدها المحيّر تظل الأزمة السورية مشكلة سياسة خارجية كلاسيكية من الطراز ذاته الذي لطالما واجهه الرؤساء الأميركيون منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، فهي من النوع الذي تشب فيه نيران الحرب الأهلية في دولة صغيرة -هي هنا ليست حليفة لأميركا - ويقوم الحاكم الدكتاتوري بإرسال قواته لسحق المعارضين والبطش بهم في خرق صارخ لحقوق الإنسان، وسرعان ما تتكاثر جثث الضحايا ويزداد تدفق اللاجئين خارجاً هرباً من بلادهم مما يزعزع استقرار دول الجوار، وعندها يتساءل الساسة الأميركيون "ما العمل؟"

رئيسنا الحالي آثر لعب الصبر، وفي وصفٍ لحركاته الطويلة واللامنتهية في قلب البطاقات ومحاولة ترتيبها اعتمد مقرّبون في واشنطن لفظة "الخنق بالاجتماعات" بمعنى "سنعقد الاجتماعات الواحد تلو الآخر وهكذا إلى مالا نهاية حتى تموت المشكلة اختناقاً من كثرة الاجتماعات". وهكذا خنقت القضية السورية بالاجتماعات حتى الموت مع موت 330 ألفًا من مواطنيها ثلثهم من المدنيين.

ومرت استراتيجية لعبة الصبر بثمانية مراحل:
1. أغسطس/آب 2011: أوباما يقول للأسد "تنحّ جانباً"، فلا يرد عليه.
2. فبراير/شباط 2012: يلجأ أوباما لمجلس الأمن فتخرج عليه روسيا والصين بفيتو يعرقل قراره بانتقال ديموقراطي للسلطة في سوريا. كما فشل وقف إطلاق للنار بوساطة الأمم المتحدة وقوبل قرار أميركي آخر بفيتو جديد في يوليو/تموز.

3. يونيو/حزيران 2012: يرفض أوباما الرضوخ لضغوطات الجمهوريين لتسليح الجيش الحر، ويوضح وزير دفاعه ليون بانيتا ذلك بأن تسليح الحر سيقود لـ"حرب أهلية طاحنة" ما لبثت أن اشتعلت على أية حال.

4. صيف 2012: يجتمع كل من بانيتا ووزيرة الخارجية هيلاري كلينتون ومدير الـCIA ديفيد بترايوس ورئيس هيئة الأركان المشتركة مارتن ديمبسي للضغط على أوباما وتسليح المجموعات المعارضة الموافق عليها، فيأبى أوباما ويقاوم لكن سرعان ما يذعن ويوافق على تدريب الـCIA لـ10000 مقاتل من المعارضة ما إن تم إرسالهم ونشرهم حتى أخفقوا ولم يأتوا بنتيجة.

5. يوليو/تموز 2012 - أغسطس/آب 2013: يتظاهر البيت الأبيض بالصرامة والتكشير فيحذر قائلاً: إن استخدم الأسد أسلحة كيميائية فسيتعدى "خطاً أحمر". بيدَ أن الأسلحة الكيميائية استُخدمت على أية حال وتأكد البيت الأبيض من مسؤولية قوات الأسد عن الفِعلة.

6. سبتمبر/أيلول 2013: "الخط الأحمر" بات خط زهري ومنقط بالخفيف مع إعلان أوباما أنه سيعمل لأخذ موافقة الكونغرس على التدخل الأميركي العسكري في سوريا، وروسيا تقنع الأسد بتسليم أسلحته الكيميائية لتشجيع الكونغرس على عدم التصويت. وفي خطاب وطني يعلن أوباما أن الولايات المتحدة ما عادت "شرطة العالم" بعد اليوم.

7. أغسطس/آب 2014: تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) يعدم جيمس فولي ورهائن غربيين آخرين . أوباما يعطي الضوء الأخضر لضربات جوية مشتركة مع دول الخليج ضد داعش. لكن بعد عام بـ7300 غارة جوية ما زالت داعش مسيطرة على معظم شرق سوريا.

8.سبتمبر/أيلول 2015: بعدما رفض أوباما اقتراحه بالعمل المشترك، يأخذ الرئيس بوتين زمام المبادرة ويرسل -بناءً على طلب سوري - ليس مقاتلاتٍ طائرة وحسب بل قوات أرضية أيضاً إلى اللاذقية وطائرات حربية إلى بحر قزوين. وتبدأ روسيا ضربات جوية ومدفعية ضد خصوم الأسد.

وكما قلت المسألة ليست هينة، كما ليس أكيداً أن يخرج بوتين منتصراً، لكن من غير الممكن أبداً لأحد التشدق بأن مقاربة أوباما للموضوع كانت ناجحة. كنتُ في ما مضى من أشد نقاد طريقة إدارة بوش الإبن في غزو واحتلال العراق، لكن علينا الآن الاعتراف صراحةً أن تردد أوباما حيال سوريا كان بنفس السوء. الإحصاءات السكانية العراقية تقول أن ضحايا الغزو الأميركي بلغ 224000 عراقياً منهم حوالي 144000 إلى 166000 مدنياً، غير أننا في العراق تخلصنا من صدام على الأٌقل، أما في سوريا فالأسد باقٍ ومازال يقتل.

الخطأ الفادح الأول في استراتيجية أوباما كان إصراره على أحد أمرين: إما السكوت والمشاهدة أو الغزو الشامل على طريقة بوش، فكلما ألح السيناتور جون ماكين عليه ليتصرف في سوريا كان أوباما يتهمه بأنه يريد "عراق جديدة"، وهذه سذاجة لا يعقل أن الرئيس يؤمن بها، فهناك عدة تدرجات للتدخل في حرب كالدائرة في سوريا، إليك ، على سبيل المثال، تدخلات بيل كلنتون الناجحة في يوغسلافيا سابقاً (حتى رغم مجيئها متأخرة)، وأيضاً مثالاً حديثاً هو التدخل الفرنسي الفعال لدحر القاعدة في مالي.

لكن لعل الخطأ الأكبر في هذا "الصبر الاستراتيجي" كان الذي عرّفه لنا هنري كيسنجر منذ زمن طويل، ففي عام 1963 لخص كيسنجر ما أسماه "المعضلة الكبرى" أمام أي صانع قرارات استراتيجي كالتالي:

إن لكل قائد سياسي حرية الاختيار بين اعتماد التقييم الذي يستدعي بذل أقل الجهود وبين اعتماد تقييم آخر للوضع يستدعي بذل جهود أكبر، فلو اختار بذل جهد أقل فقد تكشف الأيام خطأه مما يضطره لدفع الثمن غالياً. وفي حال اتخذ قراراً تخمينياً فلن يمكنه إثباتُ هل كانت مساعيه ضروريةً أم لا، لكنه قد يوفر على نفسه الكثير من الأسى فيما بعد. وأما إن اتخذ قراره بالتنفيذ مبكراً قبل أوانه فسوف لن يتمكن من معرفة أكان مجهوده ضرورياً أم لا. أما إن انتظر وتريّث، فهو وحظه - إما أن يبتسم له الحظ أو لا.

أوباما - بخلفية المحاماة والقانون التي لديه - يكره المخاطرة و لذلك يميل إلى بذل أقل الجهود. ولأنه نقيض بوش في كل شيء، فاستراتيجيته تتلخص في مبدأ "لا تغرق في وحول المستنقع"، لكن هذه الاستراتيجية سيانٌ هي و"استراتيجية الصبر" فكلتاهما لسان حالهما يقول "استرخِ ولا تفعل شيئاً، إنا ها هنا قاعدون". لكن كيسنجر يقول إن هذه الاستراتيجية قد تنجح في بعض الأحيان، فضربة الحظ قد تبتسم للمتراخين الذين يؤجلون عمل اليوم إلى الغد، لكن في أحيان أخرى قد تنقلب ضربة الحظ إلى ضربة نحس وقنبلة موقوتة .

سوريا هي كابوس أوباما والقنبلة الموقوتة التي صنعها بيديه لنفسه. في القاهرة عام 2009 وعد أوباما بعهد جديدٍ من السلام والتفاهم بين أميركا والعالم الإسلامي، لكن الآن وبعد مضي 5 أعوام خرجت علينا هذه الحركة الإسلامية المتطرفة التي تدعي الخلافة وتتعطش للدماء والتي لا تسيطر على ممرات في سوريا والعراق فحسب بل لديها كذلك القدرة على تجنيد أتباع لها من أميركا ذاتِها. حلفاء أميركا الأوروبيون مشغولون بسيول اللاجئين الذين توافدوا عليها بالملايين، بينما روسيا أسست لنفسها عرش قوة في الشرق الأوسط، وهو الدور الذي كان هنري كيسنجر نجح قبل 45 عاماً في انتزاعه من موسكو.

في مقابلة تلت خطاب أوباما في القاهرة، وصف كيسنجر الرئيس بأنه "مثل لاعب شطرنج افتتح اللعبة بحركة غير اعتيادية". لكن كيسنجر كان مخطئاً. فأوباما الذي لا يحسن فن الاستراتيجيات لم يكن سوى لاعب سوليتير - لعب مع نفسه، وخسر.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.