المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نغوين موسى Headshot

اللواتي يشربن القهوة صباحاً: هن الرائعات

تم النشر: تم التحديث:

استيقظت في الصباح الباكر أعددت الفطور لطفليَّ، أيقظتهما من نومهما ليذهبا إلى المدرسة، وأنا أفكر طوال الوقت بالعودة إلى السرير لأكمل النوم، حالما يغادران. إنها عطلتي على كل حال. اليوم غائم مع هطول خفيف للأمطار قال الصغير أحب هذا الطقس! ترد الصغيرة: أنا أحب الصيف، لكني أحب الصباح الباكر وتلك النسمة الباردة التي تلفح وجهي. كنت مستغربة أمام نضج أطفالي، شعرت بالغبطة أنهما يعرفان مشاعرهما، وأنا أفكر طوال الوقت بالهروب للسرير، وأنتظر رحيلهما بسرعة بدل الاستمتاع برفقتهما.

رحل الصغيران تاركَيْني مع حيرتي، بالعودة إلى السرير الدافئ واللجوء إلى سلطان النوم وترك الكون يتحرك على هواه، كنت أمشي بتثاقل وقد أتعبني التفكير الذي بدأ بسحب الطاقة مني، كيف سأبدأ يومي؟ الطقس ماطر. كنت أحب هذا الطقس في الماضي، أما الآن فلم أفكر به أكثر من نشرة جوية تستدعي الانتباه لتجهيز المظلة له وارتداء الستر المَطَرِيَّة.

إنه يوم آخر! نظرت إلى السرير وقررت: لن أعود إلى ما كنت عليه منذ عشرين عاماً، حين كنت أرفض الاستيقاظ والبدء صباحاً، نعم قررت أن أجهّز فنجاناً من القهوة وأشربه من ثمة أقرر كيف سأقضي هذا النهار الجميل حسب رأي طفلي، لأعود بالذاكرة إلى بلدتي النائية في شمال شرق سوريا -عامودا- تلك البلدة الصغيرة ببيوتها الطينية وأفنية الدور المزروعة بالتين والرمان والتوت والزيتون والرياحين والنعنع والزهور الفصلية.

كانت أمي وجاراتها يستيقظن قبل الفجر ويجتمعن تحت شجرة الجوز يشربن القهوة الصباحية ويثرثرن، ساحرات وصلن للتو من عالم الحلم أو السحر، واجتمعن صباحاً لإخبار صديقاتهن عمّا وجدنه في رحلة المساء. تُشرب القهوة وتطب الفناجين ليبدأ التبصير اليومي وبنفس الكلمات والتمنيات بشفاء المريض، وعودة الغائب، ونجاح الولد. عالم النساء ذاك المليء بالأمنيات، والحب، والود، وشد اليد على اليد، والرجل جالس هناك يشارك القهوة بصمت، محترماً معتقداتهن. ففي تلك البلاد المرأة مخلوق رقيق عليك تقديرها وأقل ما يمكنك فعله هو احترام طقوسها ومعتقداتها، فهي متعبة، ومرهقة، تحتاج للأمل وتبحث عنه ولو بثفل القهوة. أما أنا فكان يزعجني الاستيقاظ الباكر وصرت أتحجج بعدم حبي للقهوة.

كنت أقول: ما الذي يجبر شخصاً لا يحب القهوة على الاستيقاظ باكراً؟! تاركة خيبة الأمل لدى أمي التي كانت تهديني أعظم متعة لديها لأشاركها معهن. وانتمي إليهن.


وتركت بلدتي الوادعة والوجوه التي كبرت معها وابتعدت، وأصبحت أبحث عن الحلم والسحر، أتجول طوال الليل على مكنستي السحرية باحثة عن قصة جديدة أرويها للنساء اللواتي فقدن أساورهن وأحذيتهن وصناديق شالاتهن تحت أنقاض الحرب والأصعب من فقدن أبنائهن في هذا الجحيم، فلا أجد ما أقدمه سوى ضغطة خفيفة على ساعد المرأة الحاملة شهادة الشرف كونها أماً للشهيد، وأنا لا أتمالك نفسي من ذرف الدموع أثناء جلوسي بجانبها، لتشكرني على دموعي، هي التي قدمت قلبها على مذبح الحرب! أما نساء بلدتي البعيدة الرافضات مغادرتها ما زلن يجتمعن في أفنية الدور يشربن القهوة ويبصرن بالفنجان الرافض تحقيق الحلم الذي تأخر نصف قرن، لكنهن لم يفقدن الأمل بالقادم، إنهن الساحرات اللواتي يشربن القهوة صباحاً، فكيف لأحد أن يهزمهن؟

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.