المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نغوين موسى Headshot

كوني ساحرة.. وحلقي بالمكنسة

تم النشر: تم التحديث:

على مائدة العشاء الأكثر جدلاً بين الوجبات بحضور طفلين.. أحدهما في العاشرة، والآخر في السابعة، حيث لم تعجب الوجبة الصغير، وقامت الصغيرة بلعب دور الأخت الكبرى، التي تهتم بالصحة والغذاء المتكامل، مما زاد الأمر سوءاً، وزاد التوتر وتصاعد الأمر، كنت قد أنهيت وجبتي على عجل وانتقلت لغسل الصحون، وكان علي إنهاء الحرب الدائرة بي الصغيرين.

قلت لهما: هل تعلمان أني ساحرة، وأحلق بالمكنسة؟
كان الصغيران قد توقفا عن العراك الكلامي، و نظرا ناحيتي بين مصدق ومكذب. حتى أن الصغير قفز وهو يقول: ليس صحيحاً ما تقولينه. كنت مصرة على المضي في روايتي التي هدَّأت الجو، وحركت مخيلة الصغيرين، اللذين لم يتوقفا عن طرح الأسئلة حول المكنسة والارتفاع الذي تصل إليه ومتى يحدث هذا الأمر؟

- ليلاً بعد أن ينام الجميع.
وكان الصغير بالمرصاد ليباغتني
- ليس صحيحاً، حين أستيقظ ليلاً أجدك نائمة في سريرك.
- طبعاً أكون قد عدت من رحلتي، متعبة فأنام.
لكن الصغير لم يتوقف عن محاولاته في تخريب مشروعي.
- لو كان صحيحاً ما تقولينه لجعلت الصحون تُغسل لوحدها!
قالها وهو متأكد من انتصاره.. منتظراً إعلاني الهزيمة أمامه، كي يقفز عن الكرسي ويصرخ "نعم.. قضيت عليها".
- لا يا صغيري نحن الساحرات لسنا كسولات. بل على العكس تماماً، نحن نعمل طوال الوقت، لا نكرس سحرنا للكسل، بل هو في خدمة العمل والتفوق، نحن القادرات على جعل كل شيء جميلاً، وخفيفاً، نحن القادرات على جعل المكنسة تحلق.

نام طفلاي تلك الليلة وهما يحلمان برحلة تحليق على متن المكنسة.
لقد جعلتني هذه القصة أنتبه لنقطة مهمة.. أن تكوني ساحرة، يعني أن تكوني كسولة وتبحثي عمن يقوم لك بما تريدين سواء كان مارد القمقم، أو امرأة البرج.
وكوني أدرِّس مادة الرسم، كنت أستطيع تمييز الساحرات الصغيرات، وكنت لا أتوانى عن دعمهن وتنبيههن إلى ما يمتلكنه. كنت أؤكد دوماً على "كوني ساحرة، وحلقي بالمكنسة".
أن تكوني ساحرة وتحلقي بالمكنسة يعني أن تستطيعي تحويل العادي إلى مميز، والطبيعي إلى خارق، والحقيقة إلى حلم.
أن تكوني ساحرة وتحلقي بالمكنسة يعني التحليق فوق الخراب والحزن والكآبة.
أن تكوني ساحرة وتحلقي بالمكنسة يعني قدرتك على نشر الحياة حولك.
وسوف أتكلم عن ساحراتي الصغيرات اللواتي حاولن التحليق رغم كل الخراب والدمار المحيط بنا..

أثناء تدريسي في إحدى المدارس الفنية في دمشق منذ خمس سنوات.. بدأت الحرب، وكان الآباء يخافون على أبنائهم وحاول والد إحدى الطالبات وهو مغترب أن يجلب أبناءه إلى البلد الذي يعمل فيه، حينها رفضتْ طالبتي ذات الخمسة عشر ربيعاً الرحيل، إنها "لُجين" فتاة جميلة، بل فاتنة، وأجمل ما فيها ابتسامتها الرائعة التي لا تبخل بها على أحد، بالإضافة إلى ضحكة رنانة لا تُنسى.
حين سألتها عن سبب رفضها الرحيل، فاجأتني بردها الحاسم:
- إنها بلادنا.. هنا خلقنا ولدينا أصدقاؤنا، لا.. لن أرحل.
كنت خائفة أكثر من والدها، وأحببت أن أقنعها، بأن الوضع قد يسوء، لكنها كانت تعرف ما تريد لتقول وبكل بساطة:
- لن يحدث لنا شيء.. أقصى ما يمكن أن يحدث هو تحليق الرصاص والقذائف فوق رؤوسنا، ونحن جالسون ندخن الأركيلة. قالتها وهي تضحك تلك الضحكة.
كنت أمام ساحرة صغيرة بشعر طويل مجعد، أمسكت مكنستها وحلقت في الغرفة برشاقة، لقد منحتني الصغيرة جرعة من الأمان، بأن كل شيء سيكون بخير.
ما زالت "لجين" في دمشق، تدرس القانون، أصبحت شابة فاتنة وأنيقة، إنها ببساطة ساحرة صغيرة، تحلق كل يوم بالمكنسة، مطلقة ضحكتها تلك التي تحدت بها الحرب منذ البداية.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.