المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نغوين موسى Headshot

السر الوحيد الباقي للون الأحمر

تم النشر: تم التحديث:

حين قررت الكتابة، عن اللون الأحمر فاجأني هذا اللون بغناه وانتشاره، فهو لون الشر ولون الخير، لون الحثالة ولون الملوك. ما المدهش الذي سأقدمه في مدونتي للون بلغ من الصراحة درجة لم يعد بالإمكان إعادته الى القمقم. ما السر الباقي لهذا اللون؟

لن أخفيكم الأمر، شعرت بالإحباط، أنا التي أضع الأحمر على لوحاتي ببساطة ودون خوف، حتى كادت لا تخلو لوحة منه سواء بمساحات كبيرة أو حتى ضربات لونية صغيرة، وقررت أخيراً اللجوء الى بطل رواية أنهيت كتابتها عام 2002، اعتقاداً مني بأنه السر الوحيد الباقي للون الأحمر، وقد اخترت هذا المقطع:

اللون الأول سيكون أصفر، ثم سأضع الأبيض مع الأهرة وقليل من الأحمر، إنه لونها كلون جبريل!
ـ الإطار..؟
ـ ما باله ؟
ـ كيف تريد حجمه ؟
ـ نعم، أريده.. أريده شبيهاً بالحلم !
سقط في يدك.. شبيه بالحلم !
ويوضع الإطار فوق حامله الخشبي، تمازحه بين الحين والآخر, ليوضع الأحمر فوق اللوحة، ويمد على القماش الأبيض، ويوضع الأحمر ثانية، تضحك بمرح غير لك طبيعتك وأنت ترى لوحتك تتضرج بالحمرة، تتمادى وتكثر من الطبقات اللونية بلون واحد. أيام، ليال، أسابيع، وشهور، والأحمر لا يعطي اللون الذي ترغبه، ذاك اللون النادر، الباحث عنه مذ قررت رسم لوحة وحيدة .

إنه الأحمر يحاصرك، وها هو قلبك رافض لغير تلك الحمرة المتضرجة فوق القماش الأبيض، الرافض شبعاً من أحمرك, مانعاً إياك من وضع لون آخر.

ترمي الريشة بعيداً، تنظر إلى لوحتك التي لن تتوقف عند حد، لقد استعبدك أحمرها، دون أن تدري، ولم يعد بمقدورك السيطرة على ذاك الذي ظننته يوماً مجرد قماش بائس وضعته بنفسك فوق خشب طري، سيرفض الانكسار، ويقسو عليك وعلى ألوانك .

مضيت سارياً، علك تبعد شبح هذا اللون عنك، وتسأل قلبك، فتتفاجأ باختفائه عدت بسرعة أدهشتك، فقد ركضت بقدميك الصغيرتين اللتين ظننت لوهلة أنهما ليستا لك.

دخلت غرفتك، وقد تحولت لغرفة جني يسبح في سحابة حمراء، المرايا على الجدران تعكس أحمر بكل الدرجات، السجاد أحمر قانٍ، عصارات اللون الأحمر متلويةً بألمها، كتاب ألف ليلة وليلة بغلافه الأحمر وقد صاح الديك فجأة فأيقظ بطلي القصة بضوء قوي موجه عليهما في منتصف ليلتهما الحمراء. زردشت واقف على الرف باستعداد، محمر الوجه، مرتجف اليدين، بثياب سوداء معفرة بالرماد المتبقي من بخورك، صندوق شالات أمك الخضراء، وقد طال الأحمر أطرافها وصورة البراق المعلق فوقه وقد ولى هارباً. بخورك مستمر بإحراق نفسه، مالئاً الغرفة بدخان ساحر مسكر.

تقف مشدوهاً، تفرك عينيك بشدة حتى تحمرّا! وأنت ترى قلبك جالساً قبالة اللوحة بجلباب أبيض ناصع، وعمامة خضراء .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.