المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نغوين موسى Headshot

المرأة صانعة الحضارة المفقودة

تم النشر: تم التحديث:

في أطول وأجمل نص أدبي وصلنا عبر التاريخ القديم، تقوم المرأة بصنع المعجزة الأعظم، ففي ملحمة (جلجامش) الخالدة، سنجد المرأة التي ستُغير مجرى التاريخ (إنكيدو) صديقة جلجامش، الذي تغيَّر مجرى حياته بين يوم وليلة، وانتقل من حياة الوحوش حيث نشأ مع الغزلان في البراري، إلى الحياة المدنية وكان السبب المرأة.

(تقوده المرأة إنكيدو إلى مساكن الرعاة، وهناك تُلبسه الثياب، وتعلِّمه أكل الخبز وشرب الخمر وأسلوب الحياة المدنية). هذا السبب الذي لن يستطيع غالبية رجال الشرق تقبله رغم كثرة تحدثهم عن المرأة ومطالبتهم برفع مستواها ووجودها في الحياة الاجتماعية، لكنهم لن يعترفوا إلا نادراً بدورها في تغيير الحياة، بل يتعدى الأمر إلى اتهامها الدائم بتخريب الحياة.

ففي جولة صغيرة على مواقع التواصل الاجتماعي -العربية- طبعاً تجد معظم الشباب يمجدون العزوبية، وينشرون قصصاً عن حياة العازب الرائعة، وحياة المتزوج التعيسة، بل تعدى الأمر إلى انتشار الأغاني الهابطة التي تمجد ابتعاد الرجل عن المرأة واعتبارها شراً!

هل يوجد عنف ضد المرأة أكثر من ذلك؟ عنف تعدى حدود الشخصي، ليصل لحدود العام، دون خجل من المرأة التي وقفت ببطولة في الأحداث والحروب الطاحنة التي حصلت في المنطقة. المرأة التي حملت وحدها مسؤولية الحفاظ على ما تبقى مما كان يسمى حضارة، في غياب الرجل الصانع للحروب عبر التاريخ، ليأتي وبكل استخفاف يخبرها أن وجودها شر، وأن حياته كانت أفضل من دونها!

هل يوجد عنف أشد من هذا؟ هل يمكن أن يخبرنا الرجل كيف كانت حياته قبل المرأة في عالم الرجال الرمادي؟ ألم يكن يبحث عنها؟ ألم يكن يتحدث عنها في المقهى؟ ألم يتذكر ألوان ثيابها وعينيها؟ ألم يعد كافياً الخلط بين التافه والأصلي؟ ألا يكفي الدمار الذي حولنا حتى ننهيه بالدمار الذي بداخلنا؟ إلى متى؟ إلى متى سنستمع لقصص الفاشلين ونجعلهم قدوتنا؟ إلى متى سنتوقف عند حدود الكلمة دون الولوج إلى عمقها؟ متى سنعود إلى الجذور وننظر إلى المرأة حسب تاريخنا نحن، تاريخ الشرق المُشرق؟

المرأة الكاهنة، المرأة الإلهة، المرأة رمز الخصوبة، المرأة الزوجة في الحضارة الفرعونية ذات الطول المتساوي للرجل. المرأة إلهة الخصب في الحضارة السورية (إلهة الينبوع)، المرأة إلهة الحب في حضارات بلاد الرافدين (إنانا).


دعونا نطوي عهود السبايا والجواري، دعونا ننسى صورة المرأة الجارية التي يبحث عنها أغلبية الرجال، دعونا نرسم صورة جديدة للمرأة، ونضعها في عقول أبنائنا، وهو ليس بالأمر الصعب. إنهن جداتنا وربات حضاراتنا، إنهن اللواتي صنعن الحضارة بجانب الرجل، حرثن الحقول معه، وصنعن جِرار الفخار، وبنين البيوت يداً بيد معه، عملت المرأة بالكهانة ورأت الأحلام العظيمة، ونبَّهت شعوبها للأخطار القادمة، وأنقذت شعبها من الهلاك قبل حصوله (طريفة الكاهنة) مثلاً. المرأة التي صنعت الحضارة وتسلمت مقاليد الحكم (رفع إنكي كأسه وشرب نخب إنانا قائلاً: باسم قدرتي، باسم هيكلي المقدس، سأعطي ابنتي إنانا ناموس الكهنوت وناموس الألوهية، سأعطيها ناموس التاج النبيل وعرش الملوكية).

وحافظت على الحضارة حين انشغل الرجل بحروبه، وحافظت على امتداد الحياة حين انشغل الرجل بالبحث عن خلوده، لا حل للعنف ضد المرأة قبل التخلي عن ثقافة كون المرأة شراً، والعودة إلى التاريخ المشرق، وتعريف الأجيال القادمة بالحضارات التي هي أساس وجودنا، بعيداً عن الميوعة والسطحية المنتشرة، وهي حالة ليست بريئة، وستكتب نهايتنا إن لم ننتبه لآخر معاقل حضارتنا -أنفسنا- التي لم يبق لدينا سواها، بعد غزو بلادنا وهجرة آثارنا القسرية، اسألوا أي تمثال أو حجر عن شعوره بعيداً عن شمس بلاده قابعاً في غرفة معتمة في متحف غريب.. وسيخبركم!.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.