المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نغوين موسى Headshot

الدخول من نافذة بيكاسو.

تم النشر: تم التحديث:

"يبدو لي أن هذا الذي بيني وبينك مثل نافذة تنفتح، وأنا أريدها أن تظل مفتوحة"

بهذه الكلمات يبدأ "بابلو بيكاسو" علاقتة مع "فرانسواز جيلو" الشابة الفرنسية ذات العشرين ربيعاً، والتي يلتقي بها أثناء الحرب العالمية الثانية هو الرجل الذي تخطى الستين من العمر والذي يعيش مجده الفني،وهي الفتاة التي مازالت تبحث عن ذاتها.

"بابلو بيكاسو" معجزة القرن العشرين (1881-1973) و فرانسواز جيلو (1921) متخصصة بالأدب والقانون من جامعة السوربون، بدأت الرسم في سن العشرين . التقت بيكاسو سنة ( 1943) وعاشت معه حتى عام (1953).

ما الذي كان يرجوه رجل مثل بيكاسو من تلك الطفلة؟ وما الذي أرادته "فرانسواز" من رجل يبلغ ثلاثة أضعاف عمرها؟

هل هو الحب؟ الفشل العاطفي عند أحدهما أو كليهما ؟ أم أن الأمر برمته كان مجرد فضول ؟
كنت أظن أن هذا النوع من العلاقات خاص بنا نحن الشرقيين الذين ما زلنا نتخبط بكل شيء بدءاً من عواطفنا انتهاءً بهويتنا .

الملفت أن هذه العلاقة التي لم يرغب بيكاسو بانتهائها كان قد وضع حدودها مسبقاً كما جاء في كتاب لـ"فرانسواز جيلو" بعنوان "حياتي مع بيكاسو" حيث يقول :

"ينبغي أن لا نلتقي كثيراً،لو أردت أن تبقى أجنحة الفراشة لامعة،فعليك أن لا تلمسيها، ينبغي لنا أن لا نسيء استعمال ما من شأنه أن يحمل النور إلى حياتنا. كل شيء آخر في حياتي يرهقني ويغلق علي منافذ الضياء، ويبدو أن الذي بيني وبينك مثل نافذة تنفتح، وأنا أريدها أن تظل مفتوحة . علينا أن نلتقي،ولكن ليس بإفراط،كلما أردت لقائي،اتصلي بي و اعلميني بذلك."

فقلة اللقاءات برأي بيكاسو هو الذي سيجعل العلاقة مستمرة. والمحافظة على المسافة بين الشخصين هي التي ستعطي العلاقة الإستمرار.

أكان يبحث عن علاقة أفلاطونية؟ أم عن علاقة مستمرة تحمل في طياتها سحر اللقاء الأول؟ أم كان يبحث عن مجرد أمرأة يستمتع برفقتها ؟ هنا لا أبحث عن بيكاسو بقدر البحث عن التعقيد في العلاقات الإنسانية لا سيما عند الأشخاص الذين يعتقدون أنهم مختلفون، مع التحفظ باختلاف بيكاسو،
فالواضح في أغلب العلاقات أنها تبدأ بالفتور تدريجيا بعد الإرتباط الجدي من قبل الكثيرين، وكأن السحر يختفي فجأة.

وأعود وأقول ظننتها خاصة بنا نحن الشرقيين، وأن الغرب قد تجاوزها، لكني عدت وانتبهت، القصة حدثت في منتصف القرن الماضي، أثناء حرب لم تشبهها حرب أخرى إلا الحرب الدائرة الآن في بلادنا،تشعر بالإحباط في كلام الرجل، تشعر بالحركة السريعة، وكأنه هارب من الموت دوماً،يعيش أجواء الحرب فيتمسك بأي شيء قد يدخل الفرح إلى قلبه واللون إلى حياته.

من قال أن الحرب توقف الحياة؟ من قال أنها تحبط؟ نعم صحيح لكنها في الجانب الآخر تجعلك هشاً بعد حين، تجعلك مقلوبا للخارج كثوب مهمل، تجعلك تقف أمام الحياة وتفاصيلها خائفا من فقدك إياها في لحظة طيش منك أو من القدر.

الهروب من الدمار والحزن والخوف الذي تخلفه الحرب إلى المعجزة الحقة الباحثة عن هويتها المفقودة منذ نزول آدم وحواء بعطرهما الفردوسي إلى أرضنا البتول .
إنها الحرب التي تجعلك شفافاً، رقيقا ً،تدمع عينيك لأي مشهد،وتجعلك ترغب في حماية كل شيء حولك بدءاً من حجارة الأرصفة .

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.