المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نزهة صادق Headshot

نعم إنني امرأة..

تم النشر: تم التحديث:

يصعب الحديث عن الذات وعن الكينونة في عالم أصبحت فيه الحدود هلامية الوجود، إنه تمرين وجودي صعب، نعم إنني امرأة حفرت في الصخر، لا لتدفقِ شلالات من الإطراء من حولها كونها حاربتْ وما زالت قواعد الصمت للتعبير عن وجودها في نسق اختلفت فيه كل معاني الماهية، وأصبحت الذات بين الرغبة فيها والرغبة عنها، نعم إنني امرأة تعلن صوتها اليوم صدى مستنيراً في سماء المعنى على الرغم من ضراوة المواقع وصلابة الجلمود.

إن الرغبة في الوجود مطلب طبيعي، إما أن نكون أو لا نكون تلك إذن هي المسألة، ما يقودنا إلى سؤال يطرح نفسه بشدة:
كيف للذات أن تتواجد في عالم يمزقها بين جسد يحتويها في أسطورة العورة اللعينة؟ وبين كيان يراقصها بلا حدود تحت شعار "أنت امرأة" فلتراقصي القدر على أناملك التي خطت خطوط التاريخ لكل كائن عاش في رحمك حياةً، ودعا لك بالموت الوجودي بعد أن قطع حبله السري، وجعل منك مواطناً من الدرجة الثانية؟

نعم إنني امرأة في عالم أصبح الحديث عني مناسباتي وكأنني ذلك الكبش الأضحية الذي نحتفل به كل عيد علَّه يطهر ذنب إبراهيم ورغبته الدفينة في قتل ابنه بعد أن وسوس له الشيطان، لينقلب اليوم هذا النسق الإبراهيمي إلى نسق آخر نرغب فيه في قتل جلمود الأب الذي يحيا في كياننا، ليس لوسوسة شيطان، وإنما لرغبتنا الدفينة في إعادة نحته حتى يتسنى لنا الحفاظ على مكوناته الأساسية التي منحته شكلاً قاوم التاريخ حيناً، وانفلت منه في الغالب.

على الرغم من أن اختيار الذات يعود فيما نخطه الآن، إلى رغبة قوية لسبر أغوار النفس الإنسانية، والبحث في معرفتها كذات مفكرة وككيان كامل الماهية، ولكن ما نخطه قد يبقى مِداداً يرسم مساره على الورق، لأن الواقع يبقى واقعاً، وما تعيشه النساء عبر العالم ما زال يضعنا أمام أسئلة جوهرية تستدعي إعادة النظر في كل اللبنات التي شكلت نسقاً أسست عليه قوانين مجتمعية فرضت نفسها على أنها حقيقة مطلقة.

نعم إنني امرأة جعلت من القلم ملاذها، لتعبِّر عما تستشعره من الحياة، وحتى ما تخشاه من الموت. غالباً ما أسائل هويتي الوجودية والاجتماعية وأضعها في ماكينة النقد والهدم، لأنها ناقصة وقاصرة وعرفت قيوداً تاريخية في سجن التأويل النصي والحرفي، وغالباً ما أضطر للخوض في مغامرة البحث في أوضاعي النفسية والذهنية والاجتماعية، على أمل أن أجد سفناً لأبحر إلى عالم العدالة، بين هنا وهناك أجدني وحيدة في حلمي، في انتظار أن أنال حقي في الاعتراف على أنني إنسان كامل الماهية الإنسانية، وعلى إنْ كان ثمة تفاضل بيني وبين الرجل ففي الأعمال التي تصدر عن كل واحد منا.

في البدء كانت الكلمات، وفي البدء كان أبي..

كلما دعتني أوراقي للكتابة عن كياني، أستحضر قوة الكلمات التي ليست كالكلمات، لأنها شكلت البداية في مساري الذي حاورت فيه العديد من النصوص منحتني حياةً في عوالم متعددة.

سافرت فيها بدون توقف وتحررت فيها من كل القيود، نعم في البدء كانت الكلمات التي صاغت فكري وارتقت بي إلى أسمى المعاني، أتذكر كل النصوص التي حاورتها وحاورتني وجادلتها وجادلتني، وثُرت على نسقها وثَارت على تَرتِيبي للعلامات، حتى جعلنا من كل اللحظات فعلاً إبداعيًّا غير مكتمل بتعبير جان بول سارتر، ومن ثمة خلقنا حواراً منفتحاً على أفق اللامتناهي.
في سياق الكلمات، تعلمت من الراحلة "فاطمة المرنيسي".. الصرامة المنهجية والعمل الدؤوب والثبات على المواقف، إنها المرأة التي علمنتي أن أحلق كالفراشات، وأن أخرج من أسواري التي طوقتني ضمنياً ولقرون، معها سافرت على أجنحة الحلم بعد أن مشيت في طريق مستنير أضاءت كل أركانه المظلمة أسئلتها التي علمتني أن أطرح السؤال في العمق، للوصول إلى آليات بنيوية وتوليدية قادرة على إرساء نسق فكري يمنحني الجرأة لأقول أنني حقاً امرأة.

بعيداً عن القهر المادي والمعنوي الذي جعل مني شيء آخر غير ذاتي، هذا العنصر الذي اعترفت الطبيعة بمعالمه قبل أن تجعل منه الثقافة شيء آخر بعيدا عني كل البعد.

إنني كيان قبل أن أكون جسداً، أتنفس أضحك، أبكي وأحلق مع النوارس كلما سافرت بعيدا، وعندما لا تعود أرجع إلى وطني الذي خلقت معالمه على أرض الحب الذي جعلت منه ديني وديدني، إنني شخص داخل جسد ولست جسداً داخل شخص، أعشق الرقص على أنغام الحياة وأخلق لي سمفونية الحرية ولو للحظات.

في البدء كان أبي الرجل العصامي الذي علمني أن أحب جسدي وأن لا أنظر إليه إلا من منظار الانبهار بالخالق، وبقدرته على أن يجعل من اللاوحدة تكاملا تتناسق فيه كل العناصر بكل سلاسة.

إنه الرجل الذي علمني الاحتراق في المعنى ليس لمحاصرة ذاتي في اللا جدوى وإنما لإعادة صياغته من جديد، إنه رجل حياتي الذي حدرني من أن لا أتواطئ مع النظام حتى لا أثبت النسق القديم وأضمن استمراريته للقرون مقبلة، أو ليس هو القائل: "دعك من الماضي، سافري بين ثنايا المستقبل، واجعلي من كل البدايات الزمنية أصولك، وكوني نفسك وليس أحداً غيرك، وأحذري من أن تكرري نفس النسق، فالطائر الحر لا يكرر الغناء".
إنه من علّمني أن أثور على نفسي ومع نفسي.

كل ما لقنني أبي إياه كان جميلا، لكنه لم يُخبرني بأن الواقع أقوى منه ومني، وبأن وراء هذا الحلم الجميل الذي حلمناه معاً هناك واقع مر فيه نظام سياسي واقتصادي واجتماعي يحكم الوعي الجمعي بنواميس متكلسة ومتحجرة ألحد بها الحق في محراب العدالة، وتعالت كل الأصوات لهدم أصنامها.

لدي حلم.. وسيبقى

يعاني واقعنا من فوبيا التغيير، كما شخّص له معظم الأطباء فصاماً يتجلى من خلال تدين متقوقع يخالف عالماً نظرياً مرسوم المعالم.

مقابل هذا الوضع المزرى، ووسط هذا الركام من اللا معنى أحلم اليوم ككل نساء العالم العربي بعالم أكثر رحابة، بعالم أستطيع أن أخرج فيه إلى فضاءات العمومية بدون هواجس الخوف الذي أصبح مرضياً، أحلم أن يتحقق مبدأ: أن المرأة هي نصف المجتمع، وفي كنفها يتربى النصف الآخر إذن هي المجتمع برمته، وأن لا ينحصر في شعار، بل أن يصبح فلسفة وجودية تحمل في طياتها أسمى المعاني الإنسانية للمرأة وللرجل معاً.

ربما قد يكون حلمي سرمدياً، فهل سيطول هذا الحلم ويبقى قابعاً في ظلام للاوعي كامرأة آمنت بوجودها؟ سؤال سيجيبنا عنه التاريخ وفي انتظار ذلك، سأقول دائما وأبدا في كل المحافل والمنابر نعم إنني امرأة كاملة الماهية وسأحيا بهذا الإيمان إلى آخر رمق في حياتي، وسأحلم بعالم أفضل وحلمي لن يفنى بل سيبقى مادام لازالت هناك أصوات تتعالى كل يوم وتزداد يوماً بعد يوم، إيماناً منها بأن تكريم المرأة هو الحل، وأن من دونها ركب الإنسانية سيمضي إلى المستقبل بجسد معاق، ناقص اجتماعياً واقتصادياً وسياسياً.

إن الاعتراف بالمرأة عقلاً محضاً وغير ناقص، وأن ما ينقص هذا الفاعل الذي لا ينفعل، هو ما ينقص العقل الإنساني وجوديًّا وإنسانيًّا سواء كان حامله رجلا أم امرأة، هو ما سيجعل الحلم مستمرًّا في رحلة الحياة على الرغم من كل الإرهاصات.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.