المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نسمة يوسف Headshot

يتعجبون وأعجب لعجبهم

تم النشر: تم التحديث:

وفقاً لأحدث تقرير صادرعن التنافسية العالمية والذي يصدر سنويًا عن المنتدى الاقتصادي العالمي؛ احتلت "مصر" المركز قبل الأخير في جودة التعليم من إجمالي 140 دولة على مستوى العالم. والشيء الذى يدعو للسخرية أكثر من سخرية المركز قبل الأخير هو أن الدول التي شملها التقرير لم تكن دولا متقدمة فحسب -فيكون من البديهى حصولها على المركز قبل الأخير في القائمة- بل كانت تضم عددا من الدول النامية والمتخلفة على السواء ومع ذلك نجحت مصر فى اعتلاء عرش القمة فى حصد المراكز.... ولكن من الخلف!

بعد هذا التقرير؛ خرجت علينا الصحف ووسائل الإعلام بالعديد من الأخبار الساخرة -فهذا أمر طبيعي- ولكن الأغرب هو ردود أفعال العديد من المصريين الذين أخذوا يشجبون ويندبون ويصرخون من النتيجة -المتوقعة والمعروفة- للتقرير. يتساءلون بتعجب كيف تكون مصر فى المراكز الأخيرة فى جودة التعليم وكيف يسبقنا هذا وذاك فى الترتيب؟! وأتساءل لماذا يتعجبون وكيف لا يعرفون الأسباب التى لا تحتاج إلى عدسة مكبرة ولا تيليسكوبا فضائيا لرؤيتها؟ فإذا كانت مصر تحتل المركز قبل الأخير فى جودة التعليم بين 140 دولة على مستوى العالم؛ فإن التعليم يحتل المركز الأخير داخل مصر نفسها, أو يمكن أن نقول لا يدخل ضمن الترتيب مطلقاً.

إذا أردت التغلغل فى مناهج التعليم فلا تُتعِب نفسك ولا تبذل مجهوداً مُضنياً فى الحصول على كِتاب مَدرسى لقراءته؛ فيكفي أن تنظر على جدران المعابد والأهرامات ستجدها منقوشة منذ قديم الأزل أو يكفي أن تنظر إلى كتاب أحد أجدادك فالمناهج لا تتغير ولا تتحدث؛ فمازالت مصر دافئة ممطرة شتاءً ومعتدلة الحرارة صيفاً أما بالنسبة للتغيرات الكونية والاحتباس الحراري المؤثر على الجو عالمياً فلا يعرفون عنه شيئاً. وبالنسبة للاكتشافات الحديثة والاختراعات وتغيير القوانين الفيزيائية والكيميائية والتى تحتاج إلى تحديث فلا يهم ذلك فنحن لا نحتاج إلى مثل تلك التفاهات التى لا تسمن ولا تغني من جوع.

أما عند التجول فى كوكب المدارس الحكومية الشقيقة؛ ستجد أماكن غير مؤهلة لتكون محراباً للعلم حتى قد لا تكون محراباً للساونا وتحديدا داخل الفصول الدراسية حيث تتواجد كائنات غريبة التكوين مختلفة المعاني والاتجاهات. كائنات تتكدس فوق بعضها البعض لا تستطيع التنفس من شدة الازدحام داخل الفصول ولا تستطيع التركيز فيما تتلقاه من معلومات -إذا كانت تتلقى شيئاً- ستجد مُعلماً يعجز عن إدارة الدُفة فهو لم يعد مُعلماً يهتم بالشرح والطالب لم يعد طالباً يريد الاستفادة والعلم فهو يعلم جيداً ان لا قيمة لكلمة "شهادة علمية". فبعد أن كُنا نرفع شعاراً "اطلبوا العلم ولو فى الصين" أصبحنا نرفع شعاراً آخر "العلم فى الراس مش فى الكُراس". أما إذا أردت التجول فى أحد المراكز البحثية فأنصحك أن تُعيد النظر فى الأمر؛ ستجد العديد من الأبحاث المُلقاه على الأرض أو الأرفف التى لا يمسسها إنس ولا جن والتي أزهق عليها أصحابها الكثير من المجهود والبحث دون جدوى أو اهتمام بتطبيقها.

<<الطفل المصرى أذكى طفل فى العالم>> فهو يجتهد فى مراحل التعليم المختلفة ويحصل على أعلى الدرجات ويدرس فى كليات الهندسة والتربية والآداب والعلوم وغيرها لينال ديكوراً جديداً يضيفه الى مقتنياته البائسة. كما يدرس فى كليات الطب ليصبح طبيباً ناجحاً وينال الأوسمة -الديكورية- وتُخصص له الدولة راتبا لا يتعدى ال 1500 جنيه كراتب شهري له. فالطبيب المصري شخص أسطوري فهو يُلقي بنفسه حياً فى نار مخاطر التعرض للعدوى أو الأمراض المزمنة ونتيجة لذلك يتقاضى مبلغاً أسطورياً ما يقارب من 19 جنيها مصريا شهرياً كبديل للعدوى فى حين يتقاضى غيره ممن يتقلدون المناصب التى لا تختلط بمرضى ولا تقترب من العدوى لا بالقريب ولا بالبعيد الآلاف الشهرية. وإذا كنت أكثر تميزاً واجتهاداً وأصبحت أستاذاً جامعياً ستجد تقديراً من نوع خاص حيث ستقتنص مبالغ مهولة قد تصل إلى 25 جنيها مصريا كمكافأة على مجهوداتك العظيمة. وإذا كنت مُخترعاً فمعذرةً هل يمكن أن تترجم كلمة مُخترع لأنها مازالت مجهولة الهوية هل تقصد بها فناناً أم راقصاً أم ماذا؟ لن يهتم أحد باختراعك وإذا أردت السفر للخارج للاشتراك فى إحدى المسابقات العالمية لطرح فكرة اختراعك فستدخل فى حرب أنت فى غنى عنها ستنتهي بدفن اختراعك فى المقبرة ويكفي أن تتذكره أنت بقراءة الفاتحة عليه إسبوعيا..... فالاهتمام مُنصب فقط على الفنون أو ما يطلقون عليه فنون, فأصبحنا ننتج فقط فناً هابطاً والذي إذا أردنا حصد جوائز ومراكز عليه لن نجد سوى موسوعة "جينيس" فى غرائب وعجائب العالم. وإذا أردنا لا قدر الله تنفيذ أحد المشاريع الإنتاجية الضخمة نستعين بخبراء أجانب وتهميش كوادرنا.

<<إن كنت طبيباً فتلك مصيبةُ, وإن كنت عالِماً فالمصيبة أعظمُ>> هكذا يكون الحال الذي نقل مصر من قمة ورأس العالم إلى أعماق القيعان. فبعد أن كانت مصر تُصدر العلم والعلوم الى دول العالم أصبحت لا تصدر لا علماً ولا علوماً ولاحتى مناديل ورقية. الحال الذي جعل أولاد سليم اللبانين, أوكا وأورتيجا وغيرهما فى أعلى الهرم وجعل عُلماءها فى أسفله.. فإن رأيتم عالماً ارأفوا بحاله فلا تخبروه عن الهرم فقد يكون لا يعرف عنه شيئاً من الأساس. هل بعد كل ذلك تتعجبون لماذا احتلت مصر المركز الأخير -عفواً قبل الأخير- فى جودة التعليم؟!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.