المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نسمة يوسف Headshot

نحن هذا الجيل الضائع

تم النشر: تم التحديث:

فكرة الاختلاف بين الأجيال موجودة منذ قديم الأزل وكان على أساسها يحاول كل جيل مسايرة متطلبات عصره لكي يلحق بسباق السرعة الذي يفرضه عليه رِتم الحياة والذي أخذ في الاتساع بشكل ملحوظ فى العقود الأربعة الأخيرة. وكان كل جيل سابق يحاول فِهم طبيعة الجيل الحالي الجديد ويأنس له ويتعايش مع الوضع بسلام, وكان هذا المبدأ نابعاً من قناعاته بانتهاء دوره المطلوب منه ووجوب تسليم الراية للجيل الجديد والذي سيقوم بإعادة تشكيل دولة أكثر تطورا لتتماشى مع ظهور النظريات الحديثة فى التكنولوجيا والاقتصاد والسياسة وغيرها.... ولكن! ماذا يحدث عندما يأبى جيل بأكمله الانصياع والرضوخ لمتطلبات الجيل الحالي بل أحياناً يصل الأمر إلى محاولة تشوية نمط الحياة بكل ما أوتي هذا الجيل السابق من قوة ومحاولة جذب الجيل الحالي عنوةً لعصور الظلام والعودة بهم إلى ما وراء التاريخ؟
هذا الجيل الحالي الذي أنتمي إليه هو جيل الثمانينيات والتسعينيات؛ الجيل الضائع بين جيل الخمسينيات والستينيات وجيل الألفين أما بالنسبة لجيل السبعينيات فلم تتحدد هويته بعد؛ فتارة يميل إلى عبق ماضي الحياة الخمسينية والستينية وتارة يعلن انضمامه لعصر سرعة الحياة الثمانينية والتسعينية أما الحياة الألفينية فلا يضعها فى حُسبانه من الأساس.

أجيال الخمسينيات والستينيات - إلا من رحم ربي- مازالت تعيش فى عصور الملوك والوسية وضرورة الانصياع لأوامر الحاكم و ُأولي الأمر والأقربين والجار العاشر والعشرين, وعدم المناقشة في أي شئ والتصديق لكل قول أو فعل بدون محاولة منها ولو بأقل مجهود فى السؤال كيف ولماذا؟ فهى تميل إلى البساطة والحياة البدائية الهادئة البعيدة عن صخب سرعة التكنولوجيا ودوران الكرة الأرضية؛ ومازالت تؤمن تمام الإيمان بمبدأ الاستمرارية فى فعل الشئ بنفس الطريقة التقليدية التى اعتادت عليها منذ لحظة الميلاد ولا تطيق ذرعاً بفكرة تجريب أي خطة جديدة أو أي شيء جديد سواء فى طريقة الإنتاج أو التفكير أو الحياة بصفة عامة وما إلى ذلك.
ولم تكتفِ بذلك, ولكن أخذت فى تحطيم أي محاولة يقوم بها جيلنا المهزوم نفسياً ومحاربته ووصمه برغبته في تدمير الكون ومحاولة جذبنا للرجوع للخلف والسعي لتخريب أي بذرة جديدة نحاول زرعها والتي بالتالي ستعود ثمارها بالنفع عليهم وعلينا وعلى مليون جيل سيأتي إثرنا بحجة أننا مجرد "عيال" ولا نرقى لمستوى التفكير والعمل والحياة وكان السلاح الذي يستخدمه هذا الجيل "أكبر منك بيوم يعرف عنك بسنة" ومازالت تتحدث فى أيام الماضي (زمان وكُنا وكانوا ...) أما بخصوص الحديث عن المستقبل أو حتى الحاضر فهما عبارة عن جملة اعتراضية لا محل لها من الإعراب...
أما أجيال الألفينية فحدث ولا حرج فهى ترى أن مهارات تنمية قدرات أي شخص تكمُن فى شيئين فقط "عضلاتك و صوتك العالي" اعتقاداً منهم أن هذه متطلبات العصر وذلك طبقاً للإسفاف والمستوى المنحدر الذي يتم تقديمه لهم في شكل محتوى درامي وغيره ويتخذ من الأدب والفن اسماً مُستعاراً يختبئ خلفه والذي يعتبر بمثابة المياه التي كانت تروي بذورهم منذ الصغر والتي شَبوا عليها, وهم عكس أجيال الخمسينيات والستينيات فالماضي بالنسبة لهم لا يمثل أي شيء في الوجود ولا يعرفون معنى كلمة ماضي في القاموس بل من المحتمل أنهم لا يعرفون القاموس نفسه؛ أما الحاضر فهو بالنسبة لهم لحظة وقتية وبتمر أما بالنسبة للمستقبل فلا يتحدثون عن أشياء إن تُبد لهم تسؤهم اللهم إلا القليل منهم.

أما جيلي فهو يُقدس حياة الماضى ويُحب أصالتها وما كانت تمتاز به من رقي و ذوق رفيع ولكن يأبى العيش فى ربوعه لأنه يعلم جيداً أنه لا يلائم طبيعة الحياة الحالية ومتطلباتها, كما أنه يبحث عن التطوير باستمرار ويعشق كل ما هو جديد يظهر فى الحياة ويحاول فهمه واستيعابه وتطبيقه ولكن يكره الاسفاف والانحدار.
فلا نعلم كيف نُقنع الأسلاف بضرورة التطوير أو إتاحة الفرصة لتحقيق نهضة مطلوبة ولا نستطيع التأقلم مع أجيال الطلائع التى تحتاج إلى تغيير جذري فى قاعدة مفاهيمها الحياتية فأصبحنا جيلاً ضائعاً فى المنتصف -بالرغم من عدم تجاوز أعمارنا الثلاثين- لا نعلم أي اتجاه يجب أن نسلكه؛ فجيلي أشبه بالإنسان الذى وقف عاجزاً أمام آلة الزمن لا يريد الرجوع إلى عصر ما وراء التاريخ ولا يريد القفز إلى عصر الهاوية. لا توجد أى فرص أو حرية لاختيار الأفضل من بينها حيث يبقى الوضع على ما هو عليه وعلى المتضرر أن يلتزم الصمت.

إحنا بقينا زى الرقاصة اللى رقصت على السلم لا اللى تحت شافوها ولا اللى فوق سمعوها. نعم نحن هذا الجيل الضائع.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.