المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

كوثر نموشي Headshot

بَدون عنوان

تم النشر: تم التحديث:

أنا يا صديقة تعبت والله من أذية الرحّل وهراء الباقين، أنا القابعة على الحافة بين الرحيل والبقاء، ولا أملك شجاعة القفز ولا فزع التشبث؛ "طيري ف السما" ستقولين وسأضحك ملءَ قلبي ونخرس، والحقيقة أن الحديث واللوم والشكوى ليس عليك فأنت طريقُ مواجع فقط عليَّ أن أمرَّ عليهِ كلما أصابتني نكبة.

سؤالي اليوم: ماذا يريد منا أولئك الذين يضيفوننا إلى مجموعات على نحو "مثقفين"؟ هل يريدون منا أن نشاركهم هراءهم الصباحي والمسائي ونصوصهم المبهمة التي لا يستطيع فكها دريد نفسه؟ هل يريدوننا أن ننشر صورَ الفُقراء (صورنا في الأصل) ونكتب عليها: أنتمي لهؤلاء؟ فينهالون علينا بالتعليقات على شاكلة: أحييك على إنسانيتك أيتها الراقية.. ثم أنام وأنا مؤمنة بأنني قد قمتُ بواجبي!

وهم الذين لم يحسّوا بألم تفتّق كبِد ميمة وهي تودع ابنها الذاهب إلى العسكر وهي لا تدري أراجعٌ هو كعادته ذات صباح يحمل علبة كبيرة من القريوش فيتلقفها الإخوة كأنها آتية من الجنة أم راجعٌ في صندوق غير قابلٍ للفتح يلفُّه علم وطنٍ تَركه المثقفون الجالسون على كراسي الشات أو المُخمَّرون تحت أغطيتهم يتفلسفون على فتياتٍ مفتوناتٍ بقصص التحرر والتمدن والتقدم (طبعاً هنالك تقدم من تقدم وتحرر من تحرر)، أو المثقفون القادمون من لندن ونيويورك بفاخِر ثيابهم وسيجارهم، وأُقسم أنهم لم يقابلوا طالبا أجربا في طريقهم إلى فنادق خمس نجوم ليُرافِعوا لأجلِ ميزيريَته (بؤسه).

ثمَّ يا صديقة طلبتُ الانضمامَ لمجموعة مثقفين فجاءني القبول بعد ثوان فأخذني الزهو بنفسي، آه يا ربّ هل بلغت شهرتي حد هذه المجموعة فعلموا أنني مُثقفةٌ مرموقة* فسارعوا لقبولي حتى لا تحظى بي مجموعةٌ أخرى؟ ثم، هل يتم قبول كل المنتمين بهذه الطريقة؟ هل ألوف المثقفين هنا هم مثقفون فعلاً أم هم كَحالي لا أعرفُ تصنيفي على قوائمهم، خاصة أنني لا أضعُ صورتي الشخصية، وشعري ليس بأصفر ولا أدخن، وقد أنفقت نقودي على الجرائد والشيكولاتة واشتراكات النت، ونسيتُ شراء أقلام الحمرة ولم أدرِ أو تناسيتُ أنها تأخُذني مراكزَ عالية بدايةً بالدكتوراه ومروراً بمنصب عملٍ لائق وصولاً إلى هذا الجروب اللعين.

آه.. لم أخبرك عن هذا المثقف الشاعر صديقي صاحب اللحية الجميلة والصورة المُلتقطة بدقة وفنجاني القهوة المكدسة والكتب المصفوفة متخذاً شعار "ديني الإنسان".. وإلخ من بولشت... أليسوا كلهم مطبوعين بصفاتٍ مُوحدة؟! أخبرنا نحنُ متتبعيه الكثر بأنه سيظهر على قناة ما، تحمّست فزرتُ صفحَته ويا لخيبةِ درويش.. وضع الشاعر تصميماً لغلاف صفحته بكلماتٍ مسروقة لأغنية معروفة، لكن هل على الشاعر أن يكون غبياً لهذه الدرجة حتى يسرق كلماتٍ بلغت من الشهرة ما لم تَبلغه كلماتُ نزار المنسية، والتي اعتادت جماهير المثقفين سرقتها! لكنني أيقنت بعد تجولي في صفحته أن الجماهير العريضة تصنع من النكرة رمزاً فقد كان الشاعر على شاكلة أولئك الذين يجعلون متابعيهم (محدودي المستوى أصلاً) يؤمنونَ بأنه هوَ ربهم الأعلى في تلك الصفحة فيعلنون الطاعة والولاء والقبول، ومن أخلّ بأمن مملكتهِ يُنفى فقد رُجِمتُ ببلوك بعدما سألته ببراءة: أأنت من كتبَ أغنية (....) أيها المبدع؟

أنا خارجةٌ عن قوانين هذه المجموعة يا صديقة، وإنني نكرةٌ لا أريد لأحد أن يُجاملني، ما رأيك أن تدخليها أنتِ، أعرف أنك من المثقفين الذين يرفعون الوطن عالياً.

فأنتِ تُفتقينَ جروح جسد الواقع بجرأة ودون إحساسٍ ولا اشمئزاز لعفنها، وتمُدين يدكِ؛ كي تُقلبي حشوته، وتخرجيها للعيانِ من دون تجميل ولا تزويق.. فيطيشُ لبّ الآخرين لمرأى مُخرجاتك، وأجزم أنكِ ستشعلينَ ثورة في تلك المجموعة، وفي عقول أبناء الوطن.

* من باب السخرية والمزاح.-

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.