المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نبيه العاكوم Headshot

لبنان" الدولة الفاشلة"

تم النشر: تم التحديث:

كنت إذا التقيت مع الإخوة العرب غير اللبنانيين والمعنيين في القضايا السياسية والإسلامية، يذكرون دائماً ديمقراطية لبنان، معتبرين أنها جزيرة ديمقراطية في بحر عربي هائج بالديكتاتوريات، كانوا يخطئون في تقديرهم هذا، آخذين بعين الاعتبار النموذج والمشهد الديمقراطي أيام الانتخابات البرلمانية. فالشعب اللبناني هو مصدر السلطات وصاحب السيادة، يمارسها عبر المؤسسات الدستورية، والنظام قائم على مبدأ فصل السلطات وتوازنها وتعاونها، هذا ما سُطِّر في الدستور اللبناني، وهذا ما يعرفه العرب عنا.

بالطبع، يتكلم معي العربي، غير اللبناني، وهو المتحدر من دولة إما ديكتاتورية، أو أوليغارشية، أو ثيوقراطية، بعين الانبهار بالنموذج اللبناني الفريد من نوعه بين مختلف الدول العربية. مخطئون في توصيفهم، والحقيقة أن لبنان شأنه شأن باقي الدول العربية "الشقيقة"، ويتحدر من السلالة نفسها، سلالة حكم الطغاة، ولكن تركيبته المعقدة أعطته صبغة خاصة، ديكتاتوريات عدّة في دولة واحدة، ولك أن تتصور الفرق بين دولة يحكمها طاغية واحد، ودولة يحكمها عدة طغاة، وذهب كل طاغية بمحكوميه!

من الممكن استخلاص إيجابية واحدة من حكم الطاغية الواحد، وهو أنه بشخصه الأنا يفرض قراراته التي لا شريك له فيها أحد، فهو الحاكم والمتصرف في شؤون الدولة وحده، لا يعكر صفو حكمه طغاة غيره. أما في لبنان، فلكل طائفة ديكتاتورها وطاغيتها ومستبدّها، ومن الممكن أن تجد عدة طغاة ضمن الطائفة الواحدة، لا تفرقهم أيديولوجية أو عقيدة، إلا أنهم يتصارعون على الزعامة والمصالح الشخصية.

من هنا، خرجت مشكلة "المواطنة" في لبنان، قليل جداً أن ترى من يجعل ولاءه للهوية "القومية - الوطنية"، بل حصرها في طائفته، أو الحزب الذي يمثل الطائفة التي ينتمي إليها. وأيضاً من الناحية المعاكسة، فكل متزعم للطائفة، تراه يطالب بحقوق طائفته حصراً، علماً أنه خرج إلى "الزعامة" من البوابة "الوطنية" أحياناً!

لبنان، الذي حكم شعبه عليه بـ"الدولة الفاشلة" لا يعرف معنى القانون. فحيث لا يوجد حقوق لا يوجد هنالك قانون، عندما يكون القانون مؤلفاً مما لا يزيد على قرارات المُشرِّع زعيم الطائفة الاستبدادية ونزواته ورغباته، يصبح مفهوم القانون مسهباً بحد ذاته، ومن هنا حصل الفراغ المخيف، فغياب الحقوق يؤدي إلى غياب القانون، وغياب القانون لا بد أن يعني غياب السياسة، وغياب السياسة يؤدي لفشل المؤسسات وظهور الدولة الفاشلة.

في لبنان استبداد من نوع آخر، استبداد ديني طائفي رخيص، استبداد ممنهج، والأمثلة الناتجة عنه من الظلم على الفرد والطائفة والمجتمع خلق عند اللبناني حساً مزمناً بالخوف وانعدام الأمان والثقة والإيمان، والإحباط والكره والعزلة وغياب المصلحة العامة، الإخلاص الوحيد الموجود في لبنان محصور بالراية الطائفية والارتباط بالشعارات الطائفية والمذهبية، المستبد الطائفي في لبنان بين رفاقه المستبدين الآخرين من مختلف الطوائف لم يعد يستمد قوته من خلال ولاء إقليمي أو دولي، ولا حتى عن طريق اعتبارات جوهرية بخصوص الدفاع عن البلاد، بل انحصرت استمراريته عن طريق منطق تخويف الطائفة والعنصر "الوجودي"، ومن هنا ظهر الخوف المجتمعي، والطاقة المتفجرة عند الطائفة التي تنتظر صفارة المستبد لتستبيح الطائفة الأخرى.

في لبنان "الدولة الفاشلة"، ليس هناك حقوق، ولزاماً أن تختفي الواجبات. المجتمع الذي لا يملك الحقوق لا يشعر بواجب تجاه الدولة، إذا كان من الطبيعي أن يقف الشعب مع دولته في وجه الأعداء، في لبنان يختلف الأمر، فالشعب المعبّأ طائفياً يقف في صف الأعداء تحت مسميات وأجندات أيديولوجية، جعل من بلده ساحة تصفية حروب.

في لبنان، حُكام لا يعرفون الله إلا في الشعارات والمسميات، ينهبون بحماية دين سطّروه بأقلام عمائمهم، يستبدون من خلاله الشعوب الذين أُشرِبوا في قلبوهم الذل والقهر بنصرتهم المستبد.

ما بقي في لبنان "الدولة الفاشلة"، أنهار من نفايات، فساد في المرافئ، إهمال في المشاريع، هدر مال عام، تخلف في قطاعات الكهرباء والمياه والمواصلات، تلوث أنهار وينابيع وبحيرات.
في لبنان "الدولة الفاشلة" فراغ دستوري، تعطيل عمل المؤسسات، تأجيل انتخابات، رسم حدود من الدم بين الطوائف، سلاح غير منضبط، دول داخل الدولة.

في لبنان "الدولة الفاشلة" لم تنتهِ الحرب الأهلية، أُجِّلت بموافقة أمراء الحرب، إلى حين العودة إليها، ووقودها الشعب والحجارة وما بقي من "قطعة سما".

لم يبقَ من لبنان إلا "الدولة الفاشلة"، هكذا أرادها اللبناني.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.