المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نبيه العاكوم Headshot

المؤسسة العسكرية ومشكلة العصرنة في العالم العربي

تم النشر: تم التحديث:

يعزو الكثير من المثقفين سبب مشكلة "الوطن العربي" في عدم إستقراره إلى "الإسرائيلي"، "الراديكالية"، وأسباب إقتصادية. ويكونوا بذلك قد شخّصوا المشكلة ضمن مجال ضيق من الزمن، لا من سياقه التاريخي. إذا نظرنا إلى "حزام الأزمات" خلال القرن العشرين، نرى أن المرحلة لا تخلو من حروب وصراعات داخلية أو خارجية. ويشير رئيس الوزراء التركي أوغلو إلى أن سبب هذه الصراعات هو "عدم الإنسجام بين الجغرافية السياسية التي تم تشكيلها بعد مرحلة الإستعمار، وبين الخطوط الجيوسياسية التي حددتها الجغرافية الطبيعية".

في السياق التاريخي، يرى المفكرون الغربيون، أن جميع المجتمعات التقليدية منذ أواسط القرن العشرين، ومنها العربية كافة، أصبحت مجتمعات انتقالية أو متعصرنة. وينظرون إلى أن "العصرية" تحدث الإستقرار، لكن "العصرنة" تحدث عدم الإستقرار، وليس غياب العصرية هو ما ينتج الفوضى السياسية بل الجهود للوصول إليها. وبحسب إحصاءات أجراها المفكر هانتغتون، أن المعصرن الأول بريطانيا امتدت مرحلة عصرنتها ١٨٣ سنة، الثاني الولايات المتحدة ٨٩ سنة، المرحلة النابليونية ٧٣ سنة، والدول المتعصرنة في القرن العشرين المعدل ٢٩ سنة؛ وبقي أن المجتمعات العربية منذ أكثر من سبعين سنة لا تستطيع الولوج إلى "العصرية"، وهي أبعد أن تكون كذلك.

نعود إلى الوراء، فقد حدث الفراغ في الشرعية الناتج عن الإنسحاب البريطاني والفرنسي وغياب المؤسسات السياسية الفاعلة، أدى إلى ظهور البريتوريات الأوليغارشية، التي تحولت إلى راديكالية عبر الإنقلابات العسكرية. أُتيح للضباط أثناء النمط الأوليغارشي فرص فريدة للتعلم، فيتقبلون الأفكار الأجنبية حول القومية والتقدم، وبعد فترة ينظم الضباط أنفسهم في جماعات سرية لمناقشة مستقبل أمتهم وللتخلص من حكامها، ويتحول هذا العمل إلى ثورة تطيح بالأوليغارشية، حصل في سوريا ومصر والعراق. الإنقلاب العسكري لم يكن المشكلة، فهو من مظاهر العصرنة، ولسبب يعود إلى تدني مستوى الشرعية للمؤسسات السياسية. باستثناء تركيا، كانت كافة المجتمعات في الشرق الأوسط لا تزال تخوض بعد الحرب العالمية الثانية عملية توسيع المشاركة السياسية من الأوليغارشية إلى الطبقة الوسطى، ولكن يشير هانتغتون إلى أن "كلما كان المجتمع أكثر تخلفاً يكون دور القوات المسلحة أكثر تقدمية". تأتي المشكلة بعد حدوث الإنقلاب العسكري، ففي تركيا، يعزو نجاح أتاتورك في العصرنة إلى طرحه الإنفصال التام للجيش عن السياسة، يقول "يتوجب علينا أن نضع قانوناً يحظر على الضباط الإنتماء السياسي". أما في الدول العربية، التي حمل الضباط على عاتقهم عصرنة دولهم وتقدمها، أصبحوا يشكلون سداً لها.

عبد الناصر تخلص من كافة الرموز والمؤسسات السياسية التي سبقت الإنقلاب، الوفد والشيوعيون والإخوان المسلمون، ثم ذهب لاكتساح إنتخابي وصل إلى ٩٩٪، واستبدل الأحزاب بإنشاء إتحادات وطنية. صدق هالبريم حين وصّف الحالة في مصر وسوريا "إذا كان كل الناس داخل الحزب، لماذا يهتم أي إنسان بانتمائه إليه"! هذه التجارب التاريخية عززت إستمرارية الضعف السياسي في الحضارة العربية، ونتج عن فقدان الثقة عند الأفراد والجماعات واستمرار وجود مستوى متدني من المؤسساتية السياسية.

في ظل الحكم العسكري، أصبحت المؤسسة العسكرية تلعب دور البوّاب في توسيع نطاق المشاركة السياسية، تفتح الباب أمام الأحزاب التي تنضوي لها، وتغلقه أمام المعارضين الذين هم في الأغلب من الطبقة الدنيا، وتنتهي بسلسلة من الجهود الوقائية المؤذية كي تعوق تسلق الأحزاب المعارضة سلم السلطة السياسية، فتظهر الديكتاتورية. يضاف إلى هذا، موقف الولايات المتحدة التي تحملت مسؤولية تصدير "الحداثة"، فهي تُظهر إرتياحها حين يتولى الجيش إزاحة الحكومات التي لم تكن تعجبها، ثم توفق بين موقفها هذا وبين مبادئها الديمقراطية بإصرارها على أن يعمد الحكام العسكريون في أول فرصة ممكنة، إلى تسليم السلطة إلى حكومة مدنية جديدة من خلال انتخابات حرة.

فَشَل العسكر في مهمتهم وبقوا جاثمين على كراسيهم. بقيت لديهم مشكلة أن مجتمعاتهم أصبحت خارج عن السيطرة بعد إلزامية "التحريك الإجتماعي" بفضل العولمة والمنظومة المعلوماتية. التمدين وزيادة معرفة القراءة والكتابة ونشر وسائل الإعلام هذه جميعها تساعد في دفع المطامح والتوقعات التي في حال عدم تحقيقها، تشكل صدمة للأفراد والجماعات وتدفع بهم إلى مجال العمل السياسي، إضافة إلى تدفق الناس السريع وبأعداد كبيرة إلى المناطق المدنية الذي ينتج عنها تحركات جماهيرية. وفي ظل غياب مؤسسات وأحزاب سياسية قوية، تعني هذه الزيادة في المشاركة عدم الاستقرار والعنف، فكلما تضاعفت سرعة تنوير الشعب، تزداد سرعة تكرار الإطاحة بالحكم.

فشل العسكر أيضاً بالتنمية الاقتصادية وخلق فرص عمل، سبَّب لهم مشكلة يصعب جداً احتواؤها، وتفاقمت حتى وصل الأمر إلى اندلاع ثورات غضب غير مُسيطر عليها، لعدم وجود أحزاب سياسية قوية. يقول دايفد ابرنييتي "المملكة المتحدة شرعت في تنفيذ مخطط التصنيع وزيادة الإنتاج اولاً، والتعليم المجاني ثانياً. لأنه يجب أن تكون هناك أعمال كي يتسلمها المتعلمون الجدد ... يجب أن نكون حذرين حيال خلق مشكلات سياسية ناتجة عن البطالة في المستقبل". ويؤكد ذلك هانتغتون "المثقفون وأنصاف المثقفين، العاطلون عن العمل، قد يشكلون امتدادا للحركات المتطرفة".
لا مناص من القول أن النمو الاقتصادي يعزز الرفاهية المادية بسرعة معينة، لكنه يعزز الإحباط الاجتماعي بسرعة أكبر، خاصة لعدم وجود سلطة وأحزاب ومؤسسات سياسية تستطيع تلبية حاجات الطامحين. يقول دويتش أن "التحريك الإجتماعي تكشف جميعها للإنسان التقليدي عن أنماط من العيش ومقاييس جديدة للمتعة والرفاهية، إلا أن قدرة المجتمع الانتقالي على تلبية المطامح الجديدة تكون أكثر إبطاء في تقدمها من المطامح نفسها، فتنشأ ثغرة بين المطمح والتوقع، ينتج عنها الإحباط والإستياء في المجتمع وعملياً هو مؤشر لعدم الإستقرار السياسي".

يمكن تلخيص سبب نجاح الثورات الأوروبية والأميركية ومؤقتاً الثورات الدستورية في تركيا عام ١٩٠٨ وفي إيران عام ١٩٠٦، وفشل الثورات العربية وعصرنة مجتمعاتها، هو خلق النمط الاجتماعي والأرضية لبناء الدولة بشكل أساسي؛ فأوروبا رضيت بعلمنة أنظمتها، فهذا نمط رَغِب به الأوروبيون فنجحت مرحلة عصرنتها. والولايات المتحدة لم تذهب إلى فصل كامل بين الدين والدولة، حيث خلقت نمطاً معيناً لتذهب من خلاله البلاد نحو الدولة العصرية؛ وكذا اليابان، أيّدوا الإستفادة من التقنيات الغربية لكنهم حافظوا على قِيَمِهم وعاداتهم. أما الدول العربية، لم تنجح حتى الآن في خلق النمط الذي يشكل أرضية قوية لبناء النظام العصري، وطال زمن العصرنة فيه.

إن النمط الذي من المُمكن، لا بل من المؤكد أنه سيضعنا على سكة "العصرنة" والذهاب سريعاً إلى "العصرية"، هو النظام الإسلامي الخالص، بجميع خصائصه، حرية الإختيار، العقد الاجتماعي، الشورى، المساواة، الكرامة الإنسانية، المجتمع المفتوح بين الأمم لتتعارف وسيادة القانون. يقول فوكوياما "على الولايات المتحدة أن تبقى بعيدة عن الإسلام وأي تغيير فيه يجب أن يتم عبر المسلمين فقط".

الحل بتجديد العصرنة السياسية وبناء مؤسسات سياسية قوية لخلق مصالح عامة، وإزاحة الديكتاتوريات، ونشر وسائل الاتصال وتوسيع نطاق الولاء بحيث يتعدى العائلة والقرية والمدينة والقبيلة والعرق ليصل إلى الأمة والإنماء المتوازن بين المدينة والريف.

الحل بإنهاء الإستعمار الإسرائيلي، فالحدود التي تتفاوت من خلالها الأعراق والإثنيات لا يُمكِن بتاتاً أن يَحُل الإستقرار عليها، وبالتالي ستظل في صراع يجعلها متأخرة عن سكة الحداثة.