المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نورس عزيز Headshot

العرب والإتيكيت مصطلحان لا يلتقيان

تم النشر: تم التحديث:

صحيح أننا لا نلتزم بالسير على ممر المشاة المخصص للبشر في المدن، ونركض مسرعين حينما تكون الإشارة خضراء بالنسبة للسيارات، ونراوغ مثل لاعبي كرة القدم الأميركية كي نعبر للاتجاه المقابل من الشارع.

صحيح أن أغلبنا لم يعتد الأكل بالشوكة والسكين ولا وضع قطعة قماش أو ياقة مخصصة حتى لا تتسخ ثيابنا التي اشتريناها من محلات البضاعة المعلقة في آخر سوق الثياب.

ليس ذنبنا أننا لم نتعلم الإتيكيت في صغرنا، فقد كان البحث عن رغيف الخبز أهم وأسمى الغايات.

أتذكر كيف كانت حياتي في طفولتي، حيث كنت أقطن قرية في الجنوب السوري؛ سأرسم بعض معالمها في السطور القادمة.

تسير باتجاه القرية مغادراً مركز المنطقة، حيث تتربع منطقتنا على ارتفاع يفوق الـ1200 متر عن سطح البحر، يأتيك طريق ممتد بين الأراضي السهلية، ذلك الطريق الذي يسافر مروراً بمقبرة موحشة على يمينك.

الطريق مُعبَّد ويفتقد الهندسة على جانبيه، فتبدو حوافه جاهزة لالتهام أي سيارة تخرج عن إتيكيته البسيط. وكم من المرات سقطت عشرات السيارات والمركبات على جانب هذا الطريق!

بعد أن تقطع مسافة 7 كم في شكل انسيابي هابط يستقبلك على يمين الطريق بمدخل القرية لوحة زرقاء تحمل اسم القرية ومكتوب تحتها (ترحب بضيوفها الكرام). ولكوننا معروفين بالكرم والبيوت المفتوحة للضيوف والزوار منذ زمن بعيد، فقد كان لزاماً علينا كتابة ملحق "أهلاً وسهلاً" في أسفل اللوحة وبجانبه لوحة أخرى للوهلة الأولى حين ترى عليها صورة الحاكم الذي يرتدي قبعته الروسية المعروفة وعلى جانبيه ورثة العرش؛ تظنهم من أهالي القرية لشدة تعلق الناس بالخوف المنبعث من تلك الصور، ولا بأس أن تغني "حماك الله يا... سلمت وتسلم البلدُ" ولكن مع التعديل أصبحت "سلمت وتُحرق البلد".

بعد أن تأخذ عند مدخل القرية لمحةً عن الواقع السياسي تنتقل إلى حرم القرية، حيث تترامى بيوت قريتي على طرفي الشارع العام ودونما وجود أشجار أو حتى القليل من الغرافيك باستثناء غرافيك لوحة الترحيب الزرقاء وصور الآلهة السابق ذكرهم.

في القرية عندما كنت صغيراً، تغيب مظاهر الإتيكيت وتحضر مظاهر الاجتماعات الحزبية والحصيدة والرجيدة والدراس، وهي مصطلحات تتعلق بجني المحصول الذي كان عادةً ما يزرع قمحاً أو حمصاً أو شعيراً، وذلك بالاعتماد على ماء المطر.

وعلى الرغم من وجود قريتنا على بحر من المياه الجوفية، فإنه لم يتسنَّ لنا سوى أن نحصل على اثنين من الآبار على شكل مكرُمة من الحاكم الذي يملك ما فوق وما تحت الأرض ولا يُسمح سوى بالشرب وبعض الواسطة في ري القليل من شجر الزيتون والتفاح.

بعدها بقليل على يمين الشارع العام، وبالتفافة بسيطة، تدخل طريق بيتنا المرصوف بالحجارة و"رملة المزقلط"، وهو رمل أحمر لتعبئة الفراغات، نأتي به من تل نسميه محلية "مزقلط"، وبجانب بيتنا بيت قديم من الحجر الأسود كان مرتعاً للماشية والقطيع.

الماعز التي كانت تشاركنا جزءاً من المنزل؛ والدجاجات الحمراء مع بعض اللطخات السوداء والتي كنا نسميها "دجاج فرنسي"؛ وبقرة جيراننا التي التف الحبل حول عنقها وهي ترعى وحيدةً خلف بيتنا؛ والجزار الذي جاء كالبرق كي يستطيع أن يذبحها وفق الشريعة الإسلامية حتى لا تلفظ أنفاسها الأخيرة خنقاً- كلها ذكريات تعشش في ذهن العربي القروي، تبقى تحتل مكانة بارزة في مخيلته وحتى مع سكنه في أفضل مدن العالم وحصوله على عمل ذي مستوى عالٍ ويحتاج درجة كبيرة من الرقي والإتيكيت.

العربي -يا سادة- لا يتمتع سوى بالطِّيبة ولم يتعلم الإتيكيت والقوانين؛ لأن الحاكم أراده أن يبقى جاهلاً، كلنا ننظر للأوروبيين بأنهم متحضرون، ولكن لماذا؟

سأقول لكم: الأوروبي تربى على قانون يكفل حقوقه الأساسية، التي تجعله على الأقل إن لم يجد فرصة عمل فلن يموت جوعاً أو ينتظر حسنة الجيران أو يبحث عن رغيف الخبز.

الأوروبي تعلَّم أن بلده له وليست للحاكم، فإن أصبحت القمامة تملأ الشوارع يعرفون أنهم هم من سيتضررون فيقومون بحملات نظافة وينظفون شوارع بلدهم، نحن -يا سادة- ما زلنا نرمي الأكياس والمحارم وبقايا السجائر من الشبابيك على الطرقات والحدائق ونقول على الدولة أن تنظف، ويأتي الزبال ويأخذ راتبه ليقوم بالتنظيف. اسمحوا لي هو ليس زبالاً، نحن الزبالون.

الأوروبيون شعب تعود الأكل بالشوكة والسكين؛ لأنهم وصلوا لمرحلة لا يفكرون فيها في رغيف خبزهم، هم ليسوا عباقرة ولكنهم يعملون بشكل جماعي ضمن القانون.

نحن عرب وعندنا ذكاء كبير، ولكننا تابعون وأذلّاء. ولكن هل تعتقدون أننا ربما نجد ظروفاً تساعدنا على أن نشبع بالرغيف حتى نتفرغ للإتيكيت؟ ربما حين تُزال صورة الآلهة من مدخل قريتي!

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هاف بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.