المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نوفل السامرائي Headshot

إلى حبيبتي الأولى

تم النشر: تم التحديث:

الدماء منتشرة في كل مكان، صراخ، خوف، انتظار في صالة طوارئ المشفى، ماذا هناك يا دكتور؟! "سوف نُجري لك عمليةً جراحيةً عاجلةً"، وطلب من والدي أن يوقع ورقة إخلاء مسؤولية وختم بعبارة "انت وحظك" التي رغم مرور أكثر من أربع سنوات لم أستطِع نسيانها.

رغم الضجيج الذي كان يسود صالة الانتظار، رأيتها، كانت هناك واقفةً تبكي وتقول لي: "حبيبي ستكون بخير، بإذن الله".

في صالة العمليات، رائحة الموت والدم في كل مكان، قبل دخولي إليها كان هناك شخص على جانب يدي اليسرى قد تُوفي في صالة العمليات، وكان هناك أشخاص يقفون حوله، وفي أثناء كل هذا كان قول الطبيب لي "ادعُ الله فهو وحده قادرٌ على شفائك"..

وبعد مرور عدة أيام، أخبرني الأطباء أنّي لن أكون قادراً على الإحساس بيدي اليسرى مجدداً، لَكم هوَ مؤلمٌ أن تفقد الإحساس بإحدى يديك، لكن في خِضَمِ كل هذه الأحداث وجدتُ ما واساني، فقد اكتشفت حب حياتي الأول.

لأول مرةٍ يجذبني ذلك المسمى (حب)، فجلست أقلب دواوين الشعراء باحثاً عن وصفٍ للحب، ثم أدركت أنه أبعد من أن يُوصف، فهجرت تلك الدواوين وقررت الاستمتاع به والعيش معه بعيداً عن كل تلك الكلمات والفلسفات.

هل تساءلت يوماً عن التي لو قضيت كل عمرك لأجلها لم توفِّ حقها؟
ببساطة، إنها الأم.

على الرغم من أننا كبرنا فإننا نبقى أطفالاً في عينيها، ونخبرها متذمرين أننا لم نعد أطفالاً، ولكن قد تأتي عليك أيام تتمنى أن تعود فيها طفلاً تتشاجر مع إخوتك على حضنها.

مهما تقدمت في السن وانشغلت في دوامة الحياة لن تنسى خط دفاعك الأول والأخير، فحينما يتخلى عنك الجميع لتجلس وحيداً كأنك في مجرة لتبدأ بالبحث عن خيطِ أملٍ، ثم فجأة ترى ذلك الضوء في الأفق فتبدأ بالاقتراب منه لتكتشف أنك وجدت نخلةً شامخةً محاطةً ببعض الأعشاب والحشائش، ثم تجد نفسك وقد علمت متأخراً أن تلك النخلة الشامخة كانت دوماً إلى جانبك، لكنك وبكل بساطةٍ لم تكن تراها، فتخبرك تلك النخلة: أَي يا ولدي قد تشغلك الحشائش عني ولكنني سأبقى النخلة الشامخة، أقابلُ الجحود بالمعروف، والجفاء بالحب، ولن أتخلى عنك.

فإذا كنت تعيش مع والدتك أو تستطيع رؤيتها فاذهب وقبّلها ونَم في أحضانها، كل الأشياء قد تعوّض إلا ذلك الحضن الدافئ وتلك الدقائق معها، ولا تقُل إنك كبرت فكل ما كنت عليه وما أنت الآن عليه وما ستكون عليه تدين به لأمك.

أخرجت مفكرتي لأكمل كتابة مقالي، وإسطنبول ذلك اليوم كانت تشهد زخات من المطر التي ذكرتني بتلك الأجواء في ذلك البيت القديم في ضواحي بغداد وكيف كنا نجتمع بحب أمام المدفأة ونطلب من أمي أن تحكي لنا عن طفولتها ومغامراتها التي لا تنتهي.

متى أخبرت أمك أنك تحبها؟! ربما قد لا تتذكر، ولكن إذا سألنا السؤال نفسه لكن للطرف الآخر فربما هي تخبرك كل يوم بأنك أعز ما تملك.

من الأغاني التراثية التي علقت في ذاكرتي "يا أمي يا أم الوفا.. يا طيب من الجنة، يا خيمة من حب وهنا تجمعنا بالحب كلنا، كبرت يا يمّه والأيام تمشي تعرفت ما يعادل الأم ثمن كل شيّ يمّه الشمس من تمشين تمشي، المحبة تنحني وتبوس إيدك، والصلي الوطن لعيونك يا جنة".

"أمي.. إنني أحبك كثيراً جداً".

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.