المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نوفل السامرائي Headshot

من كان يحب الحرية فلا يصلينَّ الفجر إلا في الميادين

تم النشر: تم التحديث:

كانت الساعة العاشرة مساء، لم يزعجني شيء إلا ذلك المنشور من إحدى القنوات أن هناك أنباءً عن انقلاب في تركيا، قلتها بفظاظة متى يكف الناس عن الكذب، ولكن ذلك كان كفيلاً بأن يعكر مزاجي!

"الجيش يحاول الانقلاب على الشرعية" هذا ما وجدته بعدما تفقدت وسائل الإعلام بحثاً عن الأخبار التي كنت أتوقع أنها كاذبة، تلك اللحظة بدأت بالدعاء يا رب سترك يا رب سلم، مع تسارع الأحداث بشكل استثنائي.

أعلن الجيش عبر القنوات الرسمية، أن الانقلاب نجح، لم أشعر بمثل خيبة الأمل هذه، إلا يوم دخول قوات الاحتلال الأميركية بلادي، بدأت أبحث عن شيء لعله يكذب هذه الأنباء، فجأة جاء ذلك الخبر العاجل الرئيس أردوغان يتحدث إلى الناس ويطلب منهم النزول إلى الميادين لإعلان رفض الانقلاب.

ماذا يفعل الناس أمام الانقلابيين؟ كان هذا ردي على خطاب الرئيس أردوغان، ولكن تفاجأت أن أحد أحياء منطقة "باجلر" التي أسكن بها في إسطنبول، وهذا الحي معارضة للحزب الحاكم، الكل فيه بدأ بالهتاف "اخرجوا من أجل تركيا"، حتى جاري الذي ينقم على أردوغان، قال "اليوم نخرج لأجل تركيا".

أغقلت باب غرفتي وجلست أتابع الأخبار، ولكن هناك ذلك الهتاف الذي لم أستطع مقاومته كان الجميع يردد "يا الله.. بسم الله.. الله أكبر".. تركيا كلها كانت ترددها، المساجد تكبر وتأذن، في تلك اللحظة، خرجت وكان هناك عشرات الألوف، لا بل مئات الألوف يكتسحون الشوارع كلهم يرددون "يا الله.. بسم الله.. الله أكبر".. عازمين أن لا يتوقفوا إلا في المطار.

فشل الانقلاب، كان هذا الخبر الذي دفع ملايين الناس للتكبير.. كنت معهم، ولم أعرف ما هو الأمر، ولكن مع تلك التكبيرات لا بد أن هناك شيئاً استثنائياً حدث، فتحت التلفاز وكان الخبر العاجل "فشل الانقلاب"، لم أتمالك نفسي حينها، وبدأت الصراخ "الله أكبر".

أرادوه ردةً عن الحرية، ولكن هيهات.. أراد اللهُ غير ذلك،
كانت هذه الكلمات التي عنونت بها بث المظاهرات الذي قمت به، بدأتْ الاتصلات تصلني من الأصدقاء.. هذا اللي يبشرني.. وهذا الذي يسألني، ولكن الكل كان مجمع أنه درس من تركيا لكل للشعوب.

عندما اقتربنا من طريق المطار رأيت آليات الجيش متروكة على جانب الطريق، والشعب قرر أنه لن يمس إحدى هذه الآليات، قالوها بصوت واحد "احموا معدات الجيش"، والهتاف يعلو "إلى المطار.. إلى المطار"..

من كان يحب الحرية فلا يصلين الفجر إلا في الميادين، هذا كان لسان حال كل الأتراك الذين خرجوا من كل أطياف الشعب وأعلنوها بكل وضوح.. لا عودة إلى حكم العسكر.

كان الناس محتشدين حول إحدى الآليات العسكرية بالعشرات، دفعني الفضول إلى أن أندس بينهم لكي أرى ماذا هناك، واكتشفت أنهم يحتجزون أفراد جنود الناقلة بها، وكانوا شبه مجمعين، يجب أن يكون القضاء هو من يأخذ مجراه من هؤلاء الخونة.

خرجوا من أجل تركيا وليس من أجل أردوغان، هذا ما كنت أحدّث به نفسي عندما قررت الرجوع إلى بيتي في الساعة الرابعة فجراً، وكان التكافل بينهم واضحاً، هذا يقدم الماء، وهذا ينقل الناس لأقرب نقطة إلى بيوتهم، لم أستطع في تلك الحظة أن أحبس دموعي، وقلت متى أرى الناس في بلدي تحب وطنها كما أحبوا هم بلدهم.

حتى لو كنا ضد سياسة الحكومة، ولكن هذا لا يعني أن نقبل بحكم الخونة والانقلابيين، كان هذا درساً من الشعب التركي إلى كل شعوب العالم..

وختاماً لا يسعني القول إلا أن يحفظ الله تركيا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.