المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نوار السعيد Headshot

مشيمتنا العربيّة

تم النشر: تم التحديث:

هي شيمة العرب ومشيمتهم، أجسادٌ تنطق بلغة تطوّرت بتطوّها العلمي الحضاري، وتراكم عليها الغبار حين اعتقد البعض بقلّة الحاجة لها لعدميّة فائدتها الصيروريّة.

فالإنسان يولد على فطرة منزله الدنيوي الأوّل في رَحِم أُمَه؛ يتغذّى بمشيمته العربيّة؛ يستمع لعذب لغته الطربيّ وسوء واقعها المعاشي، دون عقل لتحليل يدرك ماهيّتها يحبّها لعلمه بارتباطها بمشيمته المغذيّة له والواصلة له بمحيطه المجتمعي المعتني به.

ويبدأ التواصل عند الولادة بينه وبين أُمّه بشكل لصيق مسموع دون مشيمةٍ متوسّطة، تحدثه بلغتها "الأُم" في أُذنِه مباشرةً، والتي عبرها يبدأ النقش في دماغه في أكثر أوقاته استعداداً للاستقبال لعدم قدرته حينها على الإرسال. وإذ بهذا الطفل المستقبل وخلال عام ونيّف ينسخ كلام أهله حرفيّاً ويبدأ بالإرسال للتعبير عن ذاته بلغة أُمّه دون زيادةٍ أو نقصان.

فإنّه لابد للعقل من لغةٍ أصل يعود لها حين يضطر للتعبير الدقيق عمّا يجول في خاطره؛ ولذا سمّى العلماء اللغة الأصليّة باللغة الأُم وهي اللغة التي يتلقّاها الطفل من أُمّه مباشرةً بلسانها.

هي لغة التعبير عن الذات بأريحيّة التحرّك اللساني دون تفكير مُجهِد، هي ارتداد مباشر للقوّةٍ الاقتصاديّة المؤثّرة واقتناع المتكلّمين بعظمة لغتهم وتحرّكهم لنشرها بكافة وسائلها المباشرة عبر دورات تعليم اللغة والدين؛ وغير المباشرة عبر الاختراعات والاقتصاد والإضافات للبشريّة المؤدية لدخول المُريدين للغة أفواجاً.

نعم فلم يمتز العرب القدامى قبل الإسلام بالعلوم، بالتكنولوجيا، بالهندسة ولا بالطب أيضاً ولكنهم كانوا أكثر الشعوب فصاحةً وأحسنهم في الكلام ودقّة البيان؛ ولابد أن نعيد ذاكرتنا لامتداد لغتنا في الشرق والغرب كنتيجةٍ لتطوير الذات العربية ما بعد الإسلام عبر إنزال الإتقان اللغوي على كل مناحي الحياة العلميّة منها الأدبيّة الفلسفية والاجتماعيّة.

إنّها لغتنا العربيّة التي أحيت شخصيتنا بين الأمم، أوصلت علومنا بلسان عربي فصيح لا لبس فيه.

هي لغة لكل من أراد فهم فصاحة العلم وبيان المعرفة، ليونة اللغة عند الدبلوماسيّة وقوّتها عند الحروب والنوازل.

لغةٌ مثّلت ولازالت تمثّل أعداداً هائلة من البشر الذين يتحدثون باللهجات العربية المختلفة داخل اللغة العربيّة الأُم. لكن هذه اللغة التي كانت قويّةً يوماً ما نسبةً لقوّة حامليها أصبح الآن حالها كحال متكلّميها لا حول ولا قوّة لا شكل خاص تضيفه للبشريّة ولا طعم مختلفاً لكل من يتحدّثها ولا لون خاصاً يلوّن بشرة عروبيّتها.

ومن المهم جداً في هذا السياق التأكيد على أنّ اللغة الأُم هي المصدر الرئيس لمرجعيات الترجمة الفوريّة العقلية والتي هي ضروريّة كـ"لغة مرجع" لتثبيت باقي اللُغات. وأي محاولة لتثبيت لغات غربية وشرقية وسط ضعضعة اللغة الأم فهذا لعمري لأداة مؤكّدة لالتهابات نفسيّة حادة ستتحوّل لمزمنة وسط ضعف تعبيري شخصيّاتي لابد وسيكون مهلكةً لأمةٍ بأكملها.

وإنّه لابد لأي خروج عن الهوى واللغة الأُم والذي أصبح نتيجة قناعة في داخل العقل والبيت العربي بضرورة انتماء الضعيف لقوّة أكبر منه تمثّله لغويّاً وتعطيه مقابلها بعض الامتيازات، فإن أي خروج عن العادات الفطرية لأول نبضات السمع في بطن الأُم هو كسر لأوائل أسافين الاستقرار النفسي الشخصي المتوافق مع الفطرة التي تشرّبها الطفل من مشيمة أُمّه العربيّة تودي بصاحبها لمرض أسميه "اضطراب الانتماء اللغوي الحضاري".

هي لغةٌ تأثرت كسائر اللغات بانضمام شعوبٍ لها وتغيّرت وفق التغيّرات الديموغرافية التي طرأت عليها. أضافت للبشرية حين أحبّها أهلها وعشقوا التطوير من خلالها وأصبحت مُضافاً إليه ومفعولاً بها لاحقاً حين تبرّأت منها الأجيال اللاحقة.

الدعوة هنا لحاملي رسالة العرب - العدنانيين منهم والقحطانيين العاربين والمستعربين - لإعادة الثقة المفقودة بيننا وبين مشيمتنا العربيّة، فلا تزال عروقنا تنبض عروبةً فطريّة من محيطنا إلى خليجنا.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.