المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نوار السعيد Headshot

أمتعتك الخوارزميّة

تم النشر: تم التحديث:

فالفرق هنا شاسع بين من حمل حقائبه بقمرةِ عمّه البَصَري وبين متخبّط بين بواقي باروده الصيني؛ بين دارس لجبر حضاراته وبين باحثٍ عن جبر خواطر الحضارات.

هو فرقٌ بين خرائط جدك الجغرافي؛ وبين عدمية جغرافيّتك الحالية. هو فرق بين موسوعتك الخلدونيّة وسباحاتك الحاليّة اللاموسميّة.

هو ذاك الفارق بين إضافاتك الفلكيّة ومدافعك الرمضانيّة.

هي الهوّة بين موشّحاتك الأندلسيّة؛ وتفاريد معزوفاتك القوميّة

هو جهل بما يدور حولك من تحرّكات لفائدتك الاستهلاكيّة اليوميّة بالمنظور الضيّق؛ وبما دار قبل ذلك من معارف ومعارك حضاريّة بقيت آثاراً لمن بعد ليرى ويُدرك مرور الحضارات و خسوفها وكسوفها ثم إشراقها واختفاءها ربّما.

هي سفر معرفةٌ وإدراك لما دار حولك وبعيداً عنك في السلف ودليل لكيف فلّ نجمك وخفتت أنوارك وسطعت أنوار غيرك؛ هي كهرباءٌ تنير طريق سفرك هي اتصالات توصلك بغيرك في جانب الكوكب الأيمن والأيسر؛ هي آثار أقدام من داس هنا قبلك وأنت تدوس الآن فوقه وتمر على دربه.

نعم فالسفر أحبّتي علمٌ يستخدم للتسلية المعرفيّة؛ و خاصةً إن كنت مسافراً لا مسفّراً ضيفاً لا مهجّراً.

كيف بك تسافر وأنت في عزّك الرفاهي؛ تحمل بعض الأمتعة المُرفّهة وتنتقل بها خفيفاً بين المدن و البلدات في الشرق والغرب لا همّ لك يمنعك عن التعرّف التنوّري ولا غمّ لك يحجز بينك وبين ابتسامة المُستضيفين تستفيد من نقاط قوّتهم و تتعرّف على أخطاء قومك الحضاريّة

أمّا أنت المسفّر بالقوّة تعبر البر والبحر؛ تحمل همومك وهمّ بلدك تهرب من ذاك الذي يريد إيقافك وذاك الذي يريد اعتقالك تنتحل كل شخصيات الكون وتتبرّأ من حضارتك عند أوّل مرحلةٍ خارج قضبان الوطن؛ يعتبرك الجميع ضيفاً ثقيلا لن يضيف شيئاً بل سيكون عبئاً على كل من ستحط رحالك لديه تحمل دموعك وتبكي من حولك و وطنك وأحبابك لا تدري كيف وصلت وكيف ستتابع تائهٌ ضائع لا تشعر بقيمتك ولا تحس إلا بإحساس الغريب غير المطلّع من قبل على غيرك من الحضارات.

نعم هي سياسة معرفيّة رسّخها القرآن في كلمة "لتعارفوا" ورسّختها كل السنن الكونيّة المعرفيّة للحضارات خاصةً منها "التي مرّت بمراحل ملامسة الأرض الحضاري" تدور في أوقات تختارها للتفرّغ التعرّفي على الحضارات.

نعم لقد أصبح من المُثبت للجميع الآن أنّك إن لم تتعرّف في أوقات الرفاهيّة سيأتيك يوم وتتعرّف على الحضارات مرغماً.

فتعلّمك لنسق الحضارات الأُخرى في وقت ركونك الحضاري وهدوئك العاطفي وسكونك العقلي سيكون مُحبباً لك ولمن يستضيفك لا محالة؛ بينما اندماجك الإجباري مع الشعوب لا طعم له لديك و لا نكهة له لدى مُستضيفيك.

أما مسألة انغلاقك النابع عن أفكار زُرِعت على عكس مبدأ التعرّف الطوعي؛ أوصلتك لما أنت عليه من شعور بالغربة الداخليّة والعُزلة الإجباريّة.

نعم فكل من تدوس أرضه مرغماً بعد نسيانك إياه مُرفّهاً وهو لم يعرف عنك إلا معلومات شبه صفريّة وعوادم خوارزميّة وبعض البواقي الجبريّة "من علم الجبر" ينظرك نظرةَ فوقيّة ويعتليه غرور البشريّة؛ يذكر منك بعض الطشاش و يعتريه شك آثارك الحضاريّة.

طأ أرضه إرادياً لعلّك تذكّره برسالاتك الأندلسيّة ومعزوفاتك الآسيويّة لعلّك تزرع له يعض نازنجك الأورانجي وتذكره بقطافه من عمّك البَصَري، و جدّك الإسطرلابي.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.