المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نوال ابراهيم الهوساوي Headshot

لماذا سمَّيت ابني محمد علي؟

تم النشر: تم التحديث:

كان محمد علي في الثانية عشرة عندما اكتشف أن أحدهم سرق دراجته. فتوجه وهو غاضب ليشتكي للشرطة ما حدث متوعداً بضرب السارق إذا عثر عليه، وكان الشرطي الوحيد الذي يثق به هو جو مارتن، شرطي أبيض يمتلك نادي كولمبيا للملاكمة، وكرس فيه الدمج بين مختلف الأعراق، في وقت كان الفصل العنصري بين السود والبيض هو السائد. ركض الطفل الهزيل محمد علي إلى صالة الملاكمة باكياً بحرقة ليشتكي للشرطي سرقة دراجة ثمينة أهداها إليه والده في العيد، ونظرالشرطي جو مارتن إلى الدموع تملأ عيني محمد علي فواساه قائلاً إن عليه أن يتعلم الملاكمة قبل أن يفكر بالعراك.

وهكذا ولدت عزيمة تفل الحديد وبدأ محمد علي تلقي أول دروس الملاكمة بفضل موقف من رجل أبيض نزيه رفض العنصرية وكرس حياته للرياضة مناهضاً للتعصب وجامعاً للفرقاء، ولم تمنعه مشاغله من الاهتمام بطفل باكٍ أتاه يشتكي سرقة دراجته، بل تعامل مع الموقف بطريقة غيرت مسار حياة الطفل وأثرت في الإنسانية جمعاء من بعده.

كانت الولايات المتحدة الأميركية تخوض غمار حرب طاحنة في فيتنام منذ العام 1965، لكن العام 1967 حمل أخباراً سيئة لبطل العالم، حيث تم تجنيده إجبارياً وتلقى الأوامر بالالتحاق بالجيش الأميركي لمحاربة الفيتناميين، رغم أنه صرح مسبقاً لوسائل الإعلام رفضه القاطع للمشاركة في أي حرب مهما كانت المبررات، كما قال إلا أن ذلك لم يحل دون استدعائه لتلبية نداء الوطن.

كان بإمكان محمد علي الانضمام للجيش في وظيفة آمنة بعيدة عن جبهات القتال وكان بإمكانة التوقف عن معارضة الجيش وتأييد الوطن في حربه ولو شفهياً، إلا أنه أصر على التمسك بمبادئه، وكان لذلك التمسك ثمن باهظ. فقد تم سحب لقب بطل العالم وإلغاء عضويته باتحاد الملاكمة العالمي، مما منعه من ممارسة الملاكمة عشقه الكبير ومصدر عيشه الوحيد.

ولم يكن شبح الفقر وجوع أطفاله هو أبشع التبعات التي واجهها البطل، فقد حكم عليه بالسجن خمس سنوات ومُنع من السفر نتيجة عصيانه الأوامر وكان سحب جوازه سابقة بحد ذاتها.

تخلى معظم الناس عن محمد علي، واتهموه بخيانة الوطن، خاصة عندما رفض عرض الجيش الأميركي الذي دعاه مجدداً للحفاظ على لقبه مقابل الانضمام إليهم هذه المرة للترفيه في المناطق الآمنة كما فعل المغني الشهير جيمس براون والملاكم جو لويس، لكن تمسك البطل برفضه القاطع لتأييد الحرب قائلاً وإن لم يكن موجوداً في ساحة المعركة فإنه سيكون مذنباً بالقتل تماماً كالجنود الذين يقتلون الناس في المعارك:

"لا لن أسافر 10 آلاف ميل لأدعم قتل وحرق شعب فقير. اليوم أنهي مثل هذه الشرور. لقد حذروني أن رفضي القاطع سيكلفني ملايين الدولارات وقد قلتها لهم مسبقاً وسأكررها الآن، إن العدو الحقيقي لشعبي موجود هنا ولن أخون ديني ولا أهلي ولا حتى نفسي بقبولي ان أكون أداة بيد من يستعبدون كل من يناضل لتحقيق الحرية والمساواة، وليس لدي ما أخسره مقابل التمسك بمبادئي. أريد أن أقول لمن يرى أني قد خسرت الكثير برفضي بأني قد كسبت كل شيء. لدي نفس مطمئنة وسلام داخلي لدي ضمير مرتاح وحر وأنا فخور. أستيقظ وأنا أشعر بالسعادة والرضا وأنام وأنا أشعر بالسعادة والرضا وحتى إذا كنت سأسجن فإني سأدخل السجن وأنا أشعر بالسعادة والرضا".

استأنف البطل قرار سجنه وخلال الاستئناف تجول بين الولايات ليخطب في سنة واحدة داخل 200 حرم جامعي وكلية؛ ليغطي كلفة معركته القانونية الباهظة مخاطباً الطلبة بمعتقداته وأفكاره. وكان لجولاته أبلغ الأثر، حيث بدأ التأييد للحرب بالانخفاض لأول مرة وتلا ذلك نشوء حركة معارضة للحرب الفيتنامية ألهم خلالها محمد علي المناضل مارتن لوثر كينج لتبني آرائه والتصريح بمعارضة الحرب. أي قناعة يمتلكها هذا الرجل ليصمد أمام أكبر دولة في العالم بجيشها وإعلامها ومخابراتها وإغراءاتها وشعبها ليواجه كل الضغوط والتهديدات بشجاعة منقطعة النظير. لم يخجل من تقديم عروض تمثيلية والمشاركة في برامج ترفيهية ليطعم أطفاله ويعيل أسرته وهو يدير ظهره للثروة والمنصب والجاه ويقبل الملاليم الحلال بطيب خاطر وفخر.

تدريجياً أصبحت معارضة الحرب الفيتنامية هي الموضة السائدة، وفي العام 1970 نقضت المحكمة الدستورية العليا قرار سجن البطل محمد علي ومنحته رخصة الملاكمة وليتوج بطلاً للعالم في الوزن الثقيل وهو اللقب الذي حمله لثلاث مرات.

"محمد علي" الإنسان قريب من قلبي وقد أسميت ابني البكري الراحل رحمه الله تيمنا بالبطل إعجاباً وتقديراً.

فقد كان إصرار البطل ملهماً لي على النجاح وبذل الجهود في أصعب فترات دراستي وكان فخره بلونه واعتداده بذاته ملهما لي لمواجهة العنصرية وحملات الكراهية. وحتى وأنا في قمة الانشغال أو التعب عندما لا أستطيع أن أكتب المزيد أو أنجز أكثر كان مجرد النظر إلى صورته الموجودة على مكتبي كفيل بشحني بطاقة متجددة من الهمة والعزيمة لأعود إلى العمل بابتسامة وثبات وكأني أسمع صوته قائلاً "لقد كرهت كل دقيقة من التدريب لكني قلت لنفسي لا تتوقف الآن كي تحيا بقية حياتك كبطل".

طالما تأملت في مواقفه المشرفة وتساءلت من أين له كل تلك الشجاعة كي يقف وحيداً متخلياً عن كل شيء وراضياً بالسجن والفقر وكراهية الآخرين فقط لتمسكه بمبدأ. من أين له كل هذا الكم من الحكمة والرحمة وببعد النظر والبصيرة التي مكنته من الوقوف مع المظلوم حتى وإن كان أجنبياً وقول لا للظالم حتى وإن رئيس دولة أو قائد جيش وكيف جمع بين البنية الصلبة والقلب الرقيق، بين القبضة الحديدية والمشاعر الجياشة، بين اللكمة القاضية واللمسة الحانية.

رحم الله البطل محمد علي، فلم يكن مجرد ملاكم رغم أنه أفضل ملاكم. فهو سفير الإنسانية وصانع السلام والمناضل ضد العنصرية.. مدرسة لتعلم حب الذات والثقة بالنفس وصناعة العظمة والعبقرية.. قدوة في العطاء والخير وحب الناس والتواضع الجم.. عملاق في مواجهة المرض والصعاب والضغوط.. نسمة خير حملت الحب والرحمة للإنسان بكل مكان وطيف من الجمال عبر القارات ودخل بحب للقلوب والبيوت.

إنه كالمرآة التي تعكس أجمل قيم إنسانيتنا فتحيي بداخلنا الحب والخير والأمل وإنه مهما بدونا مختلفين فإن ما يجمعنا أكبر وجمل.

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.