المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نواف القديمي Headshot

عن أيامٍ عربيةٍ جميلة في إسطنبول

تم النشر: تم التحديث:

"شراء الكتب يعني الاستقرار، الناس حين خرجت من أوطانها إلى المنافي لم تكن تتوقع أن تُطيل البقاء، فلم تأخذ كتبها أو أخذت قليلاً منها فقط، لكن يبدو أن كثيرين اقتنعوا الآن بأن بقاءهم سيطول، فبدأوا بتكوين مكتباتهم".

هذا ما قاله لي أحد الشباب حين دار الحديث بيننا حول الإقبال غير المتوقّع على المعرض الأول للكتاب العربي في إسطنبول الذي أقامته الشبكة العربية للأبحاث والنشر، لم تكن دوافع الشراء خبراً سارّاً بالطبع.

لم يكن الإعداد للمعرض بالأمر السهل على مستوى الجهد والمغامرة، خاصة حين رفض كل الناشرين الذين اقترحنا عليهم فكرة المعرض المشاركة بأنفسهم، وقالوا لنا: نحن نشارك في معارض تُقام بمدن عربية كبيرة تحوي الملايين ونخرج أحياناً بلا أرباح، فكيف بالمشاركة في مدينةٍ ليست عربية ومعظم العرب المقيمين بها هاربون من جحيم أوطانهم، وقد لا يجد كثيرٌ منهم عيش الكفاف. كنا في الشبكة العربية متحمسين للفكرة، فقررنا أن نغامر بأخذ كتب خمسين دار نشر (معظمها تم شراؤها) والمشاركة بها وتحمّل النتيجة بمفردنا.

ستة أشهر مرت منذ بدأنا الإعداد للمعرض، تفاصيل وعقبات كثيرة تم تجاوزها بحمد الله، اخترنا لإقامته مكاناً بديعاً، مبنى عثمانياً قديماً مملوءاً بالروح، كَسَر نمطية المواقع المعتادة لمعارض الكتب، وفي منطقة السلطان أحمد التي تقع في الوسط التجاري والقريبة من مناطق الكثافة العربية، كان حجم المكان مناسباً لتقديراتنا لحجم الحضور المتوقَّع، كنتُ أقول لفريق العمل بهزلٍ لا يخلو من جَدّ: من الجيد أن المكان بهذا الحجم، إذا دخله عشرة أشخاص "عملوا زحمة" حتى لا يبدو فارغاً.

كان الحضور مفاجئاً، بلغ عدة مئات - وتجاوز الألف أحياناً - كل يوم، وكان البعض يحضر ثم يعود لأنه لم يستطع الدخول ورؤية الكتب بشكل مريح وسط هذا الزحام، كثيرون أبدوا ملاحظة حول ضيق المكان، ومع ذلك، كان تفاعُل الناس مُبهجاً.

كانت التغطية الإعلامية بدورها مفاجِئة، في اليوم الأول كانت هناك عشر قنوات فضائية حاضرة وقامت بالتصوير، ومواقع إلكترونية إخبارية وثقافية كثيرة حضرت وغطت وكتبت. كنتُ أتساءل أحياناً: لِمَ كل هذا الاهتمام المبالَغ فيه؟ وسألتُ أصدقائي الأتراك، مازحاً، إن كانت مؤتمرات أردوغان الصحافية تحظى بمثل هذا الاهتمام.

رأيت في هذا المعرض عشرات الأصدقاء من معظم الدول العربية، بعضهم لم أرَهُ منذ زمنٍ طويل، وتعرفتُ على عشراتٍ آخرين غَدَوا أصدقاء جدداً. إعلاميون ومثقفون وكتّاباً كُثر تعرفت عليهم في ثنايا هذا المعرض. كانت فناجين الشاي والقهوة لا تتوقف، والمقاعد الملاصقة لحائط المعرض الخارجي مملوءة دوماً بالأصدقاء.

كنت أقف أحياناً عند الباب الخارجي مع بعض الأصدقاء فيأتي شبابٌ للسلام وقد حملوا أكياساً مملوءة بالكتب، وحين أتحدث معهم أكتشف أنهم إما طلاب جامعيون يدرسون بمنح أو موظفون بمهن محدودة الدخل، ومع ذلك ربما صرفوا كل دخلهم في ذلك الشهر لشراء الكتب. كنت أشعر بتأنيب ضمير تجاه هؤلاء الشباب الذين ربما خاضوا صراع الأولويات بين حُبّهم للقراءة والكتب ودخلهم الذي لا يكاد يكفيهم ضرورات الحياة.

أصحاب عددٍ من المكتبات العربية في إسطنبول أبدوا استغرابهم من أسعار الكتب المعروضة، حيث وجدوا أن الحسومات المقدّمة غير مبررة - وهي بالفعل غير مبررة بمنطق البزنس والتسويق - فالكتب التي جلبناها غير متوافرة في تركيا، وهناك تكاليف مرتفعة تخصّ الشحن والجمارك والتخليص والنقل وتكاليف العمال واستئجار موقع المعرض وشراء رفوف العرض الخشبية، هذا من دون إضافة المصاريف المرتفعة لتذاكر السفر وإقامة فريق العمل وضيوف المعرض المشاركين في الفعاليات الثقافية والذين تجاوزوا العشرين.

المكتبات العربية في إسطنبول - على الرغم من انخفاض مصاريفها مقارنة بمصاريف المعرض - تلجأ إلى رفع أسعار الكتب بين 50% و100%. فالكتاب الذي تم تسعيره في بيروت بـ 10 دولارات - وتحصل عليه المكتبة بنسبة خصم 50%، أي بـ 5 دولارات - يُباع غالباً في مكتبات إسطنبول بسعر يتراوح بين 15 و20 دولاراً، فيما هو يُباع في المعرض بـ 8 دولارات فقط بسبب الحسم المقدّم على كل الكتب والبالغ 20%، باستثناء كتب "الشبكة العربية للأبحاث" و"المركز العربي للدراسات" التي بلغ الحسم المقدم عليها 30%.

شرحت لهم أن فكرة المعرض منذ بدأت لم تكن بدوافع تجارية، كان الدافع الثقافي هو الأساس لإقامة هذا المعرض، وكان أقصى طموحنا - وأظننا حقّقناه - أن يخرج المعرض بالتعادل المالي بين المصاريف والإيرادات، من دون خسائر. وبحمد الله كان المردود المعنوي للشبكة العربية أكبر بكثير مما توقّعناه، وهو أمرٌ تدفع المؤسسات من أجله - في الدعاية والإعلان - مبالغ كبيرة.

حظي البرنامج الثقافي بدوره بالاهتمام الأكبر من الحضور، وقد حرصنا فيه على أن نقلل - قدر المستطاع - من جرعة النقاش السياسي لصالح النقاش الفكري والفلسفي، بالإضافة إلى عرض الكتب والأمسيات الشعرية، حتى عزف الموسيقى كان حاضراً في إحدى الأمسيات. وكان لحضور أسماء فكرية وسياسية مهمة، من أمثال: د. برهان غليون ود. أبويعرب المرزوقي ود. هبة رؤوف عزت وياسين الحاج صالح ود. سلمان العودة ود. سيف الدين عبدالفتاح وجمال خاشقجي ود. أيمن نور وياسين التميمي ود.محمد المختار الشنقيطي وسواهم، الأثر الكبير في تفاعل الناس ونقاش قضاياهم واستشراف مستقبلهم.

أكرمنا الكثير من الحضور بملاحظاتهم، وكان غالبها يدور حول ضيق المكان مقارنة بعدد الحضور، وأن الكتب الموجودة معظمها في حقول الفكر والفلسفة والسياسة والأدب، وافتقار المعرض إلى كتب تعليم اللغة العربية والكتب الشرعية وكتب الأطفال وسواها. أيضاً تفاجأنا بأن قرابة الـ 30% من جمهور المعرض هم من الأتراك الذين يتحدّثون العربية، وهم بدورهم يحتاجون إلى كتب خاصة لم يجدوا كثيراً منها في هذا المعرض.

دور نشر عديدة عتبت علينا لأننا لم ندعُهم إلى المشاركة في المعرض، وقد شرحنا لهم أن كل دور النشر المشاركة معنا هي حصراً من مصر ولبنان، وذلك لوجود مكاتبنا هناك، ولسهولة الشحن منهما. وعتب علينا أيضاً كثيرٌ من الشباب في الخليج لأن توقيت المعرض لم يتزامن مع الإجازات الدراسية السنوية في بلدانهم، وهو ما منعهم من الحضور. وسيتم أخذ كل ذلك - بحول الله - بعين الاعتبار مستقبلاً.

وصلتنا أيضاً منذ اليوم الأول مقترحات عديدة لنقل المعرض بعد الانتهاء منه في إسطنبول إلى مدينة غازي عنتاب التركية التي تقع على الحدود مع سوريا، ففي غازي عنتاب مئات المنظمات والمؤسسات المعنية بالشأن السوري، وفيها مقر الحكومة السورية المؤقتة، كما يسكنها ما يقارب الخمسمئة ألف سوري، وبجوار غازي عنتاب عدة مدن تركية حدودية مكتظة بالسوريين، مثل: أروفه وماردين وكلس وأنطاكيا والريحانية وسواها، إذ يسكن في هذه المدن الحدودية ما لا يقل عن مليون ونصف المليون سوري. درسنا إمكانية ذلك وقررنا بالفعل نقل المعرض إلى غازي عنتاب وإقامته في الفترة بين 24 و29 تشرين الثاني/نوفمبر الجاري.

سنبذل جهدنا لكي نجعل من معرض الكتاب العربي في إسطنبول وغازي عنتاب مناسبة سنوية، وسنسعى للأخذ بجميع الملاحظات التي وردتنا من الأصدقاء والجمهور، ونسأل الله العون والتوفيق والسداد.

كانت أياماً جميلة. وأجمل ما فيها هو الفرح الذي رأيناه في عيون الناس، والسعادة التي بدت في ملامحهم بمعرضٍ وفعاليات وجدوا فيها شيئاً من روح أوطانهم، وأشعلت فيهم حنيناً لم يخبُ يوماً، وعاشوا في ثنايا أيامها وسط مجتمعٍ عربيٍ صغير ومتنوع، والتقوا بأصدقاءٍ لم يلتقوهم منذ شهور على الرغم من إقامتهم جميعاً بمدينة ضخمة - هي أشبه بالدولة - كإسطنبول.
كانت أياماً جميلة، ولذلك انتهت سريعاً.

نشرت هذه التدوينة في ألترا صوت يوم 17/11/2015

ملحوظة:

التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.