المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

نسيم عبد الوهاب Headshot

في الجزائر.. وزيرة اسمها "بن غبريت" و 3 جنرالات كبار!

تم النشر: تم التحديث:

شهدت الجزائر خلال الأسبوع المنصرم، عدة أحداث أثارت لغطاً وجدلاً إعلامياً و شعبياً، منها التغييرات التي أجراها الرئيس عبد العزيز بوتفليقة على مستوى الحكومة والمؤسسة العسكرية، والمثير في القضية أنّ هذه الأخيرة وبالرغم من كونها ذات أهمية كبيرة باعتبار أن هذه التغييرات أسفرت عن تنحية 3 رؤوس عسكرية كبيرة متمثلة في 3 جنرالات هم على التوالي قائد الحرس الجمهوري، قائد الحرس الرئاسي، وكذا مدير دائرة مكافحة التجسس على مستوى المخابرات.

الأكيد أن أي تغيير مماثلٍ في أي بلد من شأنه أن يثير لغطاً، خصوصاً في الجزائر التي لا يُعرف لحد الآن حقيقة أسباب هذه التغييرات بشكل رسمي، ما عدا ما تُسربه وسائل الإعلام من هنا وهناك، وكل الحديث الذي يدور حول وقوع شيء ما خطير أدى لتحرك الرئيس، فقناة إخبارية مقربة من دوائر السلطة بالبلاد تحدثت عن ثغرة أمنية وإخلال بالمهام، وقنوات أخرى ومواقع إلكترونية تحدثت عن حادث أمني شهده محيط مقر إقامة رئيس الجمهورية بزرالدة غرب الجزائر العاصمة، عشية عيد الفطر المنقضي، وهو ما استدعى أن ينتفض من أجله الرئيس بوتفليقة بهذا الشكل في وقت كان يعتقد كثيرون أن المرض قد أضعف مكامن القوة لدى القاضي الأول في البلاد.

إذن، هذه القرارات التي تُعد من القرارات التي يهتم لها العام و الخاص في أي بلد عربي، خصوصاً الجزائر التي يتمتع فيها "جنرالاتها" بمكانة مرموقة سلطةً ونفوذاً. غير أن اللافت في الأمر أنّ الجزائريين لم يهتموا كثيراً لأمر هذه الإقالات والتعيينات العسكرية الجديدة، بقدر اهتمامهم بإقالة وزير التجارة الأسبق عمارة بن يونس، الذي صنع الحدث فعلاً بمغادرته للجهاز التنفيذي الحكومي، فكانت كل الأنظار متجهة صوبه، وكان الجميع يبحث في أسباب و خفايا و خلفيات رحيله عن الحكومة الرابعة لرئيس الوزراء عبد المالك سلال.، خصوصاً وأن بن يونس يعد من أكثر الشخصيات الداعمة للرئيس عبد العزيز بوتفليقة ويعتبر واحداً من أولئك الرجال الذين قادوا حملته الانتخابية خلال الانتخابات الرئاسية الماضية في أبريل 2014 والتي مكنته من الفوز بعهدة رئاسية رابعة. كما أنّه معروف بتوجهاته الإيديولوجية العلمانية، فهو سياسي علماني بدون حدود ولم يخف هذا على أحد، سواء بتصريحاته الشخصية، أو بانتماءاته الحزبية السابقة والحالية، كما كان صاحب قرار تحرير تجارة الخمور في الجزائر، وهو القرار الذي أثار ضجة واسعة ودفع بجزائريين للتظاهر في الشارع وهو ما جعل الوزير الأول يصدر تعليمة يلغي من خلالها القرار.

وإلى جانب الوزير عمارة بن يونس، تعد زميلته السابقة، وزيرة التربية الوطنية الحالية نورية بن غبريت، أبرز شخصية مثيرة للجدل حالياً في البلاد، وبالرغم من كون جميع التلاميذ والموظفين في القطاع في عطلة الصيف الرسمية التي تمتد لحوالي 3 أشهر، إلاّ أن ذلك لم يمنع من أن تبقى الوزيرة متصدرة للصفحات الأولى للصحف الجزائرية، والشخصية الأولى التي يجري حولها نقاش وجدل واسع عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وذلك على خلفية تصريحات أدلت بها حول مقترحات لاعتماد اللغة العامية في التدريس بالابتدائي في الجزائر.

وبالرغم من تفنديها للموضوع و تأكيدها على أنه لا يعدو أن يكون سوى توصية من التوصيات التي خرجت بها ندوة تم تنظيمها بهدف إصلاح المدرسة الجزائرية، وأن اللغة العربية ستبقى اللغة المعتمدة في التدريس بالجزائر بنص الدستور. إلاّ أن ذلك لم يمنع من تواصل النقاش والجدل حول الموضوع قبل أن تصب الوزيرة البنزين على النار بتصريح آخر حول مستوى التلاميذ الذين يدرسون بالمساجد والمدارس القرآنية قبل الالتحاق بالمدارس النظامية الرسمية، والذين وصفت مستواهم بالضعيف حتى في اللغة العربية، وهو ما رفضه كثير من الشخصيات الوطنية ومجموعة كبيرة من السياسيين والبرلمانيين والأساتذة والعلماء واعتبروه تجنياً غير مقبول من طرف الوزيرة على مدارس وزوايا قرآنية كانت بمثابة الركن الذي حفظ دين ولغة وهوية الشعب الجزائري من محاولات مسخها من طرف الفرنسيين خلال فترة الاحتلال. بل ذهب هؤلاء أبعد من ذلك ليطالبوا رسمياً الرئيس بوتفليقة بإقالتها من منصبها ووجهوا نداءً عنوانه "سيادة الرئيس .. أَرحنا من بن غبريت مثلما أرحتنا من بن يونس".

لعل أنّه ومن ناحية الثقل والنفوذ والسلطة، لا يمكن في الجزائر مقارنة وضع "جنرال" مع وضع "وزير" مهما كانت الأسماء التي نحن بصدد عقد مقارنة بينهما، وكثيراً ما يوصف الجهاز الحكومي بأنه مجرد جهاز "تنفيذي" لا حول ولا قوة له، باعتبار أن البلاد تنتهج نظاماً رئاسياً، وحتى التعديلات الحكومية دائما ما تمر على الشعب الجزائري مرور الكرام وكأنها "لا حدث"، غير أن التعديل الحكومي الأخير و الذي لم يمس سوى 3 وزراء كان له وقع خاص واهتمام منقطع النظير بسبب وجود اسم "عمارة بن يونس" في البيان الرئاسي.

وحينما يصرّح سعيد سعدي وهو زعيم حزبي معروف، ويقول بأن الجزائر في طريق مسدود تعليقاً على التغييرات الأخيرة التي أجراها بوتفليقة في المؤسسة العسكرية، تجد قليلاً من الجزائريين من يهتم لأمر هذا التصريح، ونفس الشيء بالنسبة لتصريحات قيادات حزبية معارضة معروفة مثل عبد الرزاق مقري و هو رئيس حزب الإخوان المسلمين في الجزائر، فقليل من الناس من ناقش تصريحاتهم حول التغييرات بمؤسسة الجيش، بالرغم مما حملته من كلمات خطيرة وعبارات تحذير وقلق كبير، كما أنه قليل جداً من تداولها عبر مواقع التواصل الاجتماعي.

أما في الحالة الثانية، وأقصد عندما يصرّح نفس السياسي وهو عبد الرزاق مقري مثلاً أو النائب البرلماني حسن عريبي الذي طالب بإقالة الوزيرة بن غبريت، فتجد اهتماماً واسعاً، وحتى أن النقاش في مواقع التواصل الاجتماعي يمتد ويتوسع بشكل لافت و كبير، ونفس الأمر ينطبق على تصريحات سياسيين ودعاة و شيوخ بشأن الوزير السابق عمارة بن يونس بخصوص قراره بتحرير تجارة الخمور في البلاد.

ومعروف عن الجزائريين أنهم شعب "مستقيل سياسياً" لا يهتم بالسياسة كما لا يصدّق في غالب الأحيان السياسيين، وحتى أن من التعليقات التي صادفتها حول تغييرات بوتفليقة العسكرية، تعليق أحد المواطنين البسطاء، الذي كتب يقول "يا جماعة الخير.. لماذا تقلقون أنفسكم بالجنرال الذي ذهب والجنرال الذي أتى، والجنرال الذي أقيل والجنرال الذي رقيّ.. ما يحصل لا يعني الشعب الجزائري، فلا ناقة له ولا جمل ولا حتى نملة".

أما في قضايا مثل الإسلام، اللغة العربية وتحرير تجارة محرمة شرعاً، و غيرها من المواضيع الدينية، فتُعد من اهتمامات الشعب الجزائري الأولى، وحتى أولئك الشباب الطائشين و غير المثقفين و حتى غير الملتزمين منهم، تجدهم عندما يتعلق الأمر بدينهم وهويتهم و مقدساتهم، أول من يتجنّد عبر مواقع التواصل الاجتماعي للرد والتصدي و قيادة حملات استنكار وتنديد وخلق نوع من الضجة غير المعتادة ولا المسبوقة، علماً أن دراسة أجراها المعهد الدولي للبحث "وين- غالوب" أظهرت بأن الجزائريين من أكثر شعوب العالم تديناً بنسبة تفوق 90 في المائة.