المدونة

نعرض أحدث الآراء و التحليلات لأبرز مدوني هافينغتون بوست عربي

ناصر بن محمد ال سعيدان Headshot

التسويق الدموي: متطلباته وعناصره وغايته

تم النشر: تم التحديث:

لا يمكن لمادة إعلانية تسويقية أن تلامس مشاعر شخص وتحركه ليعمل بمقتضاها، ما لم تجد مكاناً لها داخل هذا الفرد من المجتمع فتجعله مهيأً أكثر وأسرع من غيره للتأثر بمحتواها والانقياد لها. فعلى سبيل المثال، عند تلقي "مادة إعلانية إنسانية" تلامس الجانب الإنساني الفطري للمتلقي؛ ككفالة يتيم أو إطعام جائع أو إعمار وطن، فإن هذه المادة التسويقية لها مدخلها المؤثر على المتلقي (السويّ) الذي نشأ نشأةً سوية ولو لم يبدُ ذلك ظاهراً لمن هم حوله، فهي قد تسهم بطريقة أو بأخرى في استنهاض وتنشيط الجانب الإنساني داخل ذلك الشخص عند أي موقف يتطلب الأمر فيه تعاملاً إنسانياً، نتيجة ملامسة ذلك التسويق الفكري الإنساني نشأةً سويةً نشأ عليها الفرد المتلقي.

لذلك، فالتسويق لأي شيء سيلقى قبولاً وتأثيراً على المتلقي بحسب نفسه التفاعلية؛ هل هي مع أو ضد مراد تلك الفكرة التي تطرحها تلك المادة؟

كما هو الحال في التسويق للسلع، هناك ما يعرف بالتسويق للقيم والمبادئ -بغض النظر عن ماهيتها- هنا، أجدني أتمسك بخيط بسيط تجاه تأثير تسويق أي منتج أو فكرة أو قيمة مجتمعية يتلقاها شخص ما؛ كيف ستؤثر فيه؟ هل بالضرورة ستؤثر فيه وتحقق غايتها التسويقية؟ هل هناك متطلبات مسبقة يجب توافرها في المتلقي لتحقق تلك العملية التسويقية هدفها؟

هذه هي الأسئلة التي تراودني وأنا أتأمل في أولئك الذين تجذبهم (التنظيمات الدموية) في هذا العالم الذي تتكاثر فيه بطريقة يصعب السيطرة فيه عليها.

التسويق الدموي، ذلك التسويق الذي له رائحة ولون الدماء والذي تمارسه التنظيمات غير المدنية وغير الأهلية المختلفة في أقطار البلدان التي تعاني حالات من الصراعات الأهلية والسياسية، فنرى رؤوساً تُحز كما تُحز رؤوس الخراف، وأجساداً تُحرق، وبشراً تُقطع أطرافهم، والكثير من الأشياء التي لا يمكن حصرها هنا، لكن قاسمها المشترك رائحة الدماء ولونها، وانتهاك الأنفس تحت مبررات مختلفة.

عندما أرى إعلاناً لعطر رجالي ما، يظهر فيه كيف أنه يجذب الناس حول صاحبه، فالمعلِن هنا يخاطب شيئاً موجوداً فيَّ بالضرورة؛ كرغبة التجمل واستحسان الناس لي وثنائهم على تلك الرائحة. فالمعلِن ذكي بالطبع؛ عرف أين يعزف ليحقق هدفه. وكذلك، الإرهابي الذي يسوق لتنظيمه له العقلية نفسها تماماً، فهو يعزف على وتر حساس للمشاهد.

"دم يراق" و"آية قرآنية تتلى"، و"حديث نبوي يُقرأ" مطعَّماً بـ"شروحات لفقيه ما من القرن القديم".. بهذا، قدّم المعلِن الدموي مادة إعلانية متكاملة للمشاهد المشحون دينياً تماماً قبل أن يرى هذا المشهد، وأقصد بالشحن الديني "الشحن السلبي" الذي يقترب تماماً من هذا الفكر الدموي، لكنه لا يصل لمرحلته تماماً، لكنه يبقى على مسافةٍ ما فاصلة بين مجرد الفعل وحتمية الفعل والذي هو فقط مهمة المزيد من الإعلانات الدموية مرفقة دائماً بالعناصر التي تحتوي عليها بشكل متكرر؛ حتى يصل الإيحاء للمتلقي المشحون سلبياً بأن ساعة الصفر تقدم إليه تقديماً.

من هنا، ينخرط الشاب "المشحون دينياً بشكل سلبي" استجابة للتسويق الدموي المتسق مع ما شُحن به مسبقاً.

هنا، حقق التسويق الدموي غايته وهدفه، واستقطب الشاب ليصبح مسوِّقاً جديداً متحمساً له ويعزى الفضل في ذلك للشحن الديني السلبي.

ملحوظة:
التدوينات المنشورة في مدونات هافينغتون بوست لا تعبر عن وجهة نظر فريق تحرير الموقع.